. ((ومن الحبِّ ماقتل))
مرحبًا..
انا شاب في العشرين اسمي (صائب) لكنني لا أشعر بأنّ أفعالي صائبة كما اسمي! لربّما أن أغلب الناس مثلي؛ لأنّ جيراننا –يرحمهم الله- كان اسم الزوج (مؤمن) لكنّه يشرب الخمرَ، وزوجته اسمها شريفة لكنها تخونه مع (صالح) جارهم! كلهم هكذا يبدون في الوهلة الأولى أنبياء لكن سرعان ما يتحولون إلى كفرة! لا علينا أذكروا محاسن موتاكم!
ولدتني أمّي عاريًا لعلّها لا تملك ثمن قطعة القماش البيضاء التي أدفن بها.. إلى الآن هي نادمة لانّها انجبتني؛ فقد تزوّج أبي عليها وهجرها وذهب مع تلك العشرينية ذات الشعر الأحمر. لكنني أصبحت القشة التي قسمت ظهر أمي، فلم تطلب الطلاق من أبي الذي ألقاه في المقهى ولم أعرف أنّه أبي إلّا عندما سقطت هوية الأحوال المدنيّة الخاصّة به! الأمر الذي جعلني أعرف فائدة الهوية بعدما سألت أمي عليها فأجابتني (عندما تكبر ستعرف)، هل حان الوقت وكبرت يا أمّي؟ لا أريد أن اكبر، فمعرفة ما يدور حولي يزعجني جدًّا. ليتني أسجن مع خالي الذي يرفض الخروج على الرغم من انتهاء مدة حكمه! لعله يشعر بما أشعر، فبعض القلوب كعقارب الساعات تنبض سويًّا على الرغم من تباعدها.
حين وجدتها وأنا أسير في رواق الكلية شعرت بشعور لم يسبق لي أن شعرته سلفا، كجذع ميّت دبّت فيه الحياة، كتربة متشقّقة سار بين أحشائها الماء! لا، أنا أكذب؛ لأن الشعور لايوصف، ووصفه بأي لغة وأي تعبير سيقبض على أنفاسه.
حدث ذاك الأمر مرارًا وتكرارًا، وكأن قلبي يعرف أنها قادمة، فيراها قبل عيني، فكان مصداقا للاية (ولهم قلوب يقفهون بها)
كانت المهمة الأصعب في حياتي كيف أصارحها في الأمر، وأنا لا استطيع أن أسلم عليها أصلا! كانت مهم شاقّة ومعقدّة جدًا كمادة الإعلال والإبدال في الصرف.. نعم، أحيانا يتشابه الشعور تجاه الأشياء رغم اختلاف المصاديق.
سمعتها وهي تحدث صديقتها بنبرة ملؤها الثقة تقول: (إن الناس تحكم على داروين وتسفّه نظريته وهم لم يقرأوا ولا حرفًا من كتابه أصل الأنواع، يالهم من أدعياء للثقافة، بل جاهلون) شعرت في حينها أنني أجهل مخلوق على تلك الأرض، رغم أن كلامها لم يوجّه إلي، لكنني شعرت أن العالم كله الذي تقصده قد تجمّع في هذا الولهان...
عدت إلى البيت، سلمت على أمي ودخلت مهرولًا لأتلقف بعض الأموال، وذهب مسرعا لأستاذ (حافظ) الذي يبلغ من العمر سبعين كتابًا، كان حافظًا للقرآن كله، ولشعر المتنبي والجواهري، سبحان الله، حافظ الوحيد ممن أعرفهم كان أسمه يدل على صفاته، فأين حافظ من مؤمن!
أخذت الكتاب وعدت الى غرفتي وأغلقت الباب ولم أخرج الا عند العشاء وبقيت على هذه الحال لمدة أسبوع، لم انجح في مادة العروض وأخذت صفرا في الامتحان، هذا لايعني شيئا الآن، كل مايعني الي أن أتمكن من فهم النظرية كيما أُشعرها بأنني مثقف ولم ادخل في حكم قولها عن أدعياء الثقافة!
أه يا (رقيّة) كم كتابًا سأحفظ حتى أبلغ مبتغاي! يبدو أنني بحاجة إلى المزيد من الكتب!
قلت عبثًا لصديقي وأنا أحاول اسماعها عندما مررنا بجانبها: (يقول داروين: لعبت الثورة الصناعية دورا مهما في تغيير لون الفراشات؛ من الأسود إلى الرمادي، لان.....). هذه العبارة استغرقت اسبوعًا وكتابا كاملات معقدا! كيف لو أريد الحديث معها! هل سأقرأ سفر أيوب!
لم أثير انتباهها ولعلها لم تسمعني! لكنني أقسم صادقا أنني قلت العبارة بصوت عالٍ وبمسافة قريبة جدا منها كافية ليصحو نائم عليها!
عدت الى قاعة الدراسة لم انتبه لطريقي أصلا، لا أعلم كيف وصلت وجلست في مقعدي المخصص، هل حقًّا مايقولون إن قلب المؤمن مرآته وعيه، ودليله، هل حقّا أنا مؤمن!
وجدت قصاصة ورقية مكتوب عليها (( لم يقل داروين من الأسود الى الرمادي، بل قال العكس..راجع جيدًا، لكن أعجبني تطلعك على النظرية، ليتك تحدثني عمّا تعرفه، تجدني في مكاني..)) كاد قلبي أن يقف لشدّة فرحه لدرجة أنني نسيت عنوان الكتاب الذي قرأته!
ذهبت الى مكانها أشعر أن المسافة بين قاعتي ومكانها كالمسافة بين الأرض والقمر! حقًا مايقوله أينشتاين في نظريته الزمكانية، بانه يمكن للوقت ان يبطئ ويتمدد لكنه لايمكن أن يعود الى للوراء!
انا لا أريد العودة إلى الوراء أريد فقط أن أصل إليها فبعد المسافة أرهقني، لايتحمّل القلب أن يسير خطوات بسيطة في لحظة ارتجافه لمن يحب! حتما سيصاب بالجهد ويقف..
اقتربت منها، وشعرت بأنها جميلة كقدمِ أمّي!
حنون كخوف أمي عليَّ، لعنت في سريّ الجاهليين الذين كانوا يودأون المرأة! لكن لو رأوا (رقية) سيغيرون رأيهم لامحال!
-كيف حالك؟!
-الحمد لله بخير، وأنت؟
-تحت رحمة الله.
-ونعم بالله، أين عرفت هذه المعلومة عن داروين؟!
-لست وحدك مثققة، وتقرأين لداروين، نحن أيضا نمتلك هذه الكتب!
-أحقا ماتقول؟! هل قرأت الكتاب كله؟
-نعم قر...
قاطعتني صديقتها متأسفة وأشارت لرقية بأن صاحب الخط ينتظرهما..
-لابأس، سنكمل غدا..
-إن شاء الله ، مع السلامة..
كرهت صديقتها ، وعدت أقف بجانب الجاهليين لودأهم البنات! عجيبة آثار الحب التي تجعل الفرد يقع في صراع التناقض مع نفسه. لكن في الوقت نفسه شعرت بالحبور، فهي فرصة لاحدثها مرة أخرى، وهذا بفضل مقاطعة صديقتها، هل ألعن الجاهليين لودأهم مرة أخرى! حسنا سأستمتع بلعنهم وأنا أمدّ أنفي من نافذة باص العودة، وأعود غدا لأكلّم رقيّة..
مرحبًا..
انا شاب في العشرين اسمي (صائب) لكنني لا أشعر بأنّ أفعالي صائبة كما اسمي! لربّما أن أغلب الناس مثلي؛ لأنّ جيراننا –يرحمهم الله- كان اسم الزوج (مؤمن) لكنّه يشرب الخمرَ، وزوجته اسمها شريفة لكنها تخونه مع (صالح) جارهم! كلهم هكذا يبدون في الوهلة الأولى أنبياء لكن سرعان ما يتحولون إلى كفرة! لا علينا أذكروا محاسن موتاكم!
ولدتني أمّي عاريًا لعلّها لا تملك ثمن قطعة القماش البيضاء التي أدفن بها.. إلى الآن هي نادمة لانّها انجبتني؛ فقد تزوّج أبي عليها وهجرها وذهب مع تلك العشرينية ذات الشعر الأحمر. لكنني أصبحت القشة التي قسمت ظهر أمي، فلم تطلب الطلاق من أبي الذي ألقاه في المقهى ولم أعرف أنّه أبي إلّا عندما سقطت هوية الأحوال المدنيّة الخاصّة به! الأمر الذي جعلني أعرف فائدة الهوية بعدما سألت أمي عليها فأجابتني (عندما تكبر ستعرف)، هل حان الوقت وكبرت يا أمّي؟ لا أريد أن اكبر، فمعرفة ما يدور حولي يزعجني جدًّا. ليتني أسجن مع خالي الذي يرفض الخروج على الرغم من انتهاء مدة حكمه! لعله يشعر بما أشعر، فبعض القلوب كعقارب الساعات تنبض سويًّا على الرغم من تباعدها.
حين وجدتها وأنا أسير في رواق الكلية شعرت بشعور لم يسبق لي أن شعرته سلفا، كجذع ميّت دبّت فيه الحياة، كتربة متشقّقة سار بين أحشائها الماء! لا، أنا أكذب؛ لأن الشعور لايوصف، ووصفه بأي لغة وأي تعبير سيقبض على أنفاسه.
حدث ذاك الأمر مرارًا وتكرارًا، وكأن قلبي يعرف أنها قادمة، فيراها قبل عيني، فكان مصداقا للاية (ولهم قلوب يقفهون بها)
كانت المهمة الأصعب في حياتي كيف أصارحها في الأمر، وأنا لا استطيع أن أسلم عليها أصلا! كانت مهم شاقّة ومعقدّة جدًا كمادة الإعلال والإبدال في الصرف.. نعم، أحيانا يتشابه الشعور تجاه الأشياء رغم اختلاف المصاديق.
سمعتها وهي تحدث صديقتها بنبرة ملؤها الثقة تقول: (إن الناس تحكم على داروين وتسفّه نظريته وهم لم يقرأوا ولا حرفًا من كتابه أصل الأنواع، يالهم من أدعياء للثقافة، بل جاهلون) شعرت في حينها أنني أجهل مخلوق على تلك الأرض، رغم أن كلامها لم يوجّه إلي، لكنني شعرت أن العالم كله الذي تقصده قد تجمّع في هذا الولهان...
عدت إلى البيت، سلمت على أمي ودخلت مهرولًا لأتلقف بعض الأموال، وذهب مسرعا لأستاذ (حافظ) الذي يبلغ من العمر سبعين كتابًا، كان حافظًا للقرآن كله، ولشعر المتنبي والجواهري، سبحان الله، حافظ الوحيد ممن أعرفهم كان أسمه يدل على صفاته، فأين حافظ من مؤمن!
أخذت الكتاب وعدت الى غرفتي وأغلقت الباب ولم أخرج الا عند العشاء وبقيت على هذه الحال لمدة أسبوع، لم انجح في مادة العروض وأخذت صفرا في الامتحان، هذا لايعني شيئا الآن، كل مايعني الي أن أتمكن من فهم النظرية كيما أُشعرها بأنني مثقف ولم ادخل في حكم قولها عن أدعياء الثقافة!
أه يا (رقيّة) كم كتابًا سأحفظ حتى أبلغ مبتغاي! يبدو أنني بحاجة إلى المزيد من الكتب!
قلت عبثًا لصديقي وأنا أحاول اسماعها عندما مررنا بجانبها: (يقول داروين: لعبت الثورة الصناعية دورا مهما في تغيير لون الفراشات؛ من الأسود إلى الرمادي، لان.....). هذه العبارة استغرقت اسبوعًا وكتابا كاملات معقدا! كيف لو أريد الحديث معها! هل سأقرأ سفر أيوب!
لم أثير انتباهها ولعلها لم تسمعني! لكنني أقسم صادقا أنني قلت العبارة بصوت عالٍ وبمسافة قريبة جدا منها كافية ليصحو نائم عليها!
عدت الى قاعة الدراسة لم انتبه لطريقي أصلا، لا أعلم كيف وصلت وجلست في مقعدي المخصص، هل حقًّا مايقولون إن قلب المؤمن مرآته وعيه، ودليله، هل حقّا أنا مؤمن!
وجدت قصاصة ورقية مكتوب عليها (( لم يقل داروين من الأسود الى الرمادي، بل قال العكس..راجع جيدًا، لكن أعجبني تطلعك على النظرية، ليتك تحدثني عمّا تعرفه، تجدني في مكاني..)) كاد قلبي أن يقف لشدّة فرحه لدرجة أنني نسيت عنوان الكتاب الذي قرأته!
ذهبت الى مكانها أشعر أن المسافة بين قاعتي ومكانها كالمسافة بين الأرض والقمر! حقًا مايقوله أينشتاين في نظريته الزمكانية، بانه يمكن للوقت ان يبطئ ويتمدد لكنه لايمكن أن يعود الى للوراء!
انا لا أريد العودة إلى الوراء أريد فقط أن أصل إليها فبعد المسافة أرهقني، لايتحمّل القلب أن يسير خطوات بسيطة في لحظة ارتجافه لمن يحب! حتما سيصاب بالجهد ويقف..
اقتربت منها، وشعرت بأنها جميلة كقدمِ أمّي!
حنون كخوف أمي عليَّ، لعنت في سريّ الجاهليين الذين كانوا يودأون المرأة! لكن لو رأوا (رقية) سيغيرون رأيهم لامحال!
-كيف حالك؟!
-الحمد لله بخير، وأنت؟
-تحت رحمة الله.
-ونعم بالله، أين عرفت هذه المعلومة عن داروين؟!
-لست وحدك مثققة، وتقرأين لداروين، نحن أيضا نمتلك هذه الكتب!
-أحقا ماتقول؟! هل قرأت الكتاب كله؟
-نعم قر...
قاطعتني صديقتها متأسفة وأشارت لرقية بأن صاحب الخط ينتظرهما..
-لابأس، سنكمل غدا..
-إن شاء الله ، مع السلامة..
كرهت صديقتها ، وعدت أقف بجانب الجاهليين لودأهم البنات! عجيبة آثار الحب التي تجعل الفرد يقع في صراع التناقض مع نفسه. لكن في الوقت نفسه شعرت بالحبور، فهي فرصة لاحدثها مرة أخرى، وهذا بفضل مقاطعة صديقتها، هل ألعن الجاهليين لودأهم مرة أخرى! حسنا سأستمتع بلعنهم وأنا أمدّ أنفي من نافذة باص العودة، وأعود غدا لأكلّم رقيّة..
عدت إلى البيت مبتهجا وكأنني نلت المركز الأول في جامعتي. لا أخفيك سرا انني أكثر سعادة كما لو كنت قد حصلت على المرتبة الأولى لاسامح الله!
دخلت البيت قبلّت أمّي بحرارة لدرجة أنها أصيبت بحالة استغراب، وما زاد استغرباها انني بدأت اختلط معها وانزل الى الشارع على غير عادتي فقد كنت محبوسا في زنزانتي، حتى جاء أمر رقية وأفرجت عني، يالها من قاض رحيم! ليت كل القضاة مثلك، لما بقي شخص في سجن..
جاء اليوم الثاني الذي اتعبني مجيؤه. فظننت أن الشمس لن تشرق وقد أصابها الخمول، وكأن شعر رقية الفاحم -الءي عرفته فيمابعد- سقط على الليل وأطال عمره! ووددت لو أضع بطارية أخرى للساعة التي فوق رأسي لانني شعرت بأنها بطيئة جدا على غير عادتها!
على كل حال اتى الصباح، لا بل جاء، نعم جاء؛ لأنه جاء بشق الأنفس فلا يستحق أن أصفه بالإتيان، على اعتبار ان الاتيان سمة للسهولة واليسر، للمرة الأولى أفهم فيها معنى الفرق بين الفعلين وأنحاز للرأي القائل أنه لاترادف في العربية! كل هذا من أثر الحب، فكونك عاشقا يعني أن تكون مثقفا عالما!
وانا أسير إلى رقية الجالسة كعادتها في مكانها المخصص وكأنها زهرة تتفتح عند الصباح وتغيب عند المساء، شعرت أن الطريق يركض أمامي بخطى أسرع مني ليطول أكثر وأكثر حتى الهواء وقتذاك تآمر ضدّي فدفعني للخلف! وصلت رغم كل شيء.
قلت صباح الخير متلعثما ليس لانني مرتبكا، بل لأنني أريد أن أقول أحبك، نعم أحبك أكثر مما تتصورين، فأما أن تحب من النظرة الأولى أو تصمت!
قلت لها أحبك، وأحبك، وأحبك، فخرجت، أهلا، صباح الخير، كيف حالك!!
هل تتغير دلالة الألفاظ في سياقات الحب؟! ياترى اذا كانت تتغير فما دلالة أحبك! هل هي اهلا صباح الخير كيف حالك!!
على كل حال سأختصر لك الحكاية لأنّ الصبح سيحين عكس الصبح مع رقيّة، ما مشكلة الزمن مع العشاق! والمسجونين! ليته يكون منصفا ويقلب معادلته..
بقينا نتجادل ونتصارع في أحاديث ومناقشات، حتى نفر منا اصدقاؤنا وبقينا لوحدنا وهذا ما أريد! في لحظة من لحظات الشتاء كانت تناقشني في نظرية الانفجار الكوني (البنگ بانگ) ومدى صحتها وأدلتها في التراث الإسلامي، حتى ابهرتني واستدلت عليها بالآية الكريمة ((والفجرِ، وليال عشر)) تزعم أن الفجر يقصد به تعالى الإنفجار وهو الانفجار الكوني! بُهرت بماقالت فقلت لها (اهلا، صباح الخير،كيف حالك) فأجابت مستغربة ، ماذا؟! فقلت لها أقصد أحبّك!
اجابت محاولة ان يبدو عليها الاستغراب (كيف ومتى وأين)، لكنها تعرف هذا منذ اللقاء الاول! فالمرأة المثقفة القارئة لاتفوتها مقاصد الرجال وخباياهم، تعرفني قبل أن أنطق بالعبارة، وقبل أن ألوح بالإشارة!
قبلت بي وتزوجتها في ظرف شهر. كنت امامها اختيارا واقعيا؛ لانني انسجم معها فكريا وتعرف انها لن تجد شخصا يحبها مثلي، مرت الايام وتخرجنا من قسم اللغة العربية الذي لم استفد منه الا زواجي من رقية! فأحببته لانه ربطني بها!
كان يزورنا (أمين) ابن عمها الذي رفض اخوها أن يزوجها به لان ابا أمين رفض ان يزوجه ابنته! هكذا تكون المرأة في مجتمع يحكمه التيه والعصبية والتخلف، يعتقدون أنها سلعة تباع وتشترى! حاولت أن أجد فارقا بينهم وبين الذين يشترون الإماء حتى أشعر أنني بعصر مختلف فلم أجد سوى فارق وحيد انهم يبيعون بناتهم لمن يشتهونه لا لمن يعطي أغلى مايملك (قلبه، وحبه)، متخلفون حتى في آلية بيعهم.
على الرغم من تخلفهم الا انني افدت من هذا التخلف ، فلولا تخلفهم لما تزوجت رقية!
انجبت رقية طفلًا يشبه أمي، أخذته لامي بعد ان كبّرت في أذنه، صلت على نبينا وبسملت اعادت الامر مرارا وتكرارا، ثم قالت سنسميه (طاهر) فقلت ونعم الاسم.
بدأت خلافاتي تظهر شيئا فشيئا مع رقية، فتوسع اسرتي وازدياد الطلبات ألقى علي حملا ثقيلا، مما أضطررت الى أن أعمل عملا ثانويا كيما أسد الفراغ الحاصل في المصروف. قلّت بعدها الخلافات نوعا ما في حين أن الزيارات التي يقوم بها أمين كثرت، فلم اتذكر أنني عدت من العمل ولم أجد طاهرا بيده. حتى في إحدى الليالي فقدت صوابي وقلت لرقية هل هو ابنه لدرجة انه يحمله طيلة اليوم!
- ماهذا الهراء ياصائب؟! كيف تجرؤ على لفظ هكذا جمل؟؟
أجبت بتهكم، ههههها قولي لي لو كان ابنه سنعطيه له ويكفينا شره، عله لايزورنا بعدها!
-تصبح بخير ياغير صائب!
بعد سنتين انجبتْ رقية شبيهتها،طفلة كالشمس في رائعة النهار، نسخة منها سوى أنفها المدبب الذي يذكرني بأنف أمين.. أبت رقية أن تسميها والدتي فأسمتها أمينة، فقلت لها يبدو أنني لم اتخلص من أمين فأنفها كأنفه واسمها كاسمه! الذين يزعجونك يدخلون حتى وسط حياتك ويدخلون في معالم رحمك!
مرت السنوات دخل طاهر المدرسة وكان متفوقا، قل انجذابنا انا ورقية، على عكس ماكنا ايام الكلية، لربما عدم اعتنائي بنفسي فأخرج صباحا لوظيفتي وأعود ظهرا لأخرج مرة ثانية لمحل الهواتف النقالة الذي افتتحته بعد ولادة طاهر. تشاجرنا كثيرا كثيرا، خرجت رقية ذات مرة من منزلنا أثر نقاش حاد بيني وبينها، تركتها تخرج لتهدأ ومن ثم أعود لاسترجعها، ذهبت لبيت أبيها في ظهر اليوم التالي فلم أجدها هناك، وحتى أهلها قالوا أنها لم تأت منذ شهرين! عجبا أين كانت تذهب عندما تنام خارج منزلي بحجة أنها عند أهلها!
رجعت الى المنزل ولا أعلم كيف دخلت، ذكرني بعودتي الى قاعة درسي ايام الكلية، لكنني وجدت في قاعتي ماافرحني (قصاصة الورق) هل تذكرها أم شعرت بالنعاس؟!
-محمد.... محمد... أتسمعني؟!! يبدو أنك نمت
اكمل يابني أنا أسمعك منذ أن قلت في العشرين من عمري!
اكمل قصتك واترك محمدا غارقا من نومه بسبب التعذيب!
جيد ياعمي العزيز، عدت الى البيت علّي اجد مايفرحني، فوجدت أمين جالسا وأمامه رقية غامرة في الضحك! قلت لها:
-اين كنت منذ البارحة، قالوا لي اهلك انك لم تزوريهم منذ شهرين؟ اين كنت تذهبين! تغيّب طاهر عن المدرسة بسببك..
-مابك تقذف النيران عيناك هكذا، كنت عند بيت عمي أبي أمين. ثم أن طاهرا ابني وانا حرّة في تربيته!
-أبو أمين؟ ولم ذهبت هناك؟! وطاهر ابني ايضا كما ابنك!
-لافرق بين عمي وأبي، ودخلت غرفتها وهي تسرح شعرها المبلل توا! تاركة التعليق على مسالة طاهر!
دخلتُ الغرفة الأخرى غضبان مكفهر الوجه عبوسا. والتساؤلات تملا رأسي، ماذا تفعل عند بيت عمها؟ هل بدأت تحبه بعد ان كانت تكرهه كرها شديدا؟
ذهبت في اليوم التالي الى وظيفتي وأوصلت طاهرا الى مدرسته.. بعد ساعتين ونصف اي في تمام الحادية عشر تقريبا سمعت دوّي انفجار شديد قال الراكضون أن عبوة ناسفة أسقطت مبنى مدرسة (النجاح). يالهي ليتك ياطاهر، كنت في مدرسة (الرسوب) ولم تكن في النجاح!
ذهبت مسرعا الى المدرسة.. فوجدت قدم طاهر، حقيبة طاهر، ووجهه فقط! هل عرفتك القنبلة طاهرا فاخذتك يابني ! لايمكنني أن أصف هذا الشعور، قلت ان شعور الحب اذا وصفناه سنقبض على انفاسه، لكن شعو فقد العزيز اذا وصفته ستقتل عزيزك مرة أخرى!
دفعتني امراة تصرخ بصوت عال على ابنها وامسكت برأس طاهر المحترق وضمته وهي تنادي باسم ابنها الذي نسيت اسمه!
حاولت ان اخفف من روعها وان ألمح لها ان هذا ابني، صرحت لها انه ابني، صرختُ بوجها، بكيت، لم ينفع معها! تدخلت الشرطة لحل النزاع بيننا، نعم، الشرطة في خدمة الشعب ان تشاجر فيما بينه، لكنها ليست بخدمته ان تكالب عليه الغريب!
طلب القاضي تحليل الجثة ليعرفوا عائديتها
أجري لنا التحليل باستدعاء زوج المرأة التي تدعي ان طاهرا ابنها، بالأحرى جزء منه!
ظهرت نتائج التحليل وأمر القاضي بالتحفظ بنصف جثة طاهر في الطب العدلي! تساءلت غاضبا لماذا لاتعطوني ابني ألم تظهر نتائج التحليل، أجاب القاضي بحزم ( الطفل ليس ابنك، ولا ابن هذه المرأة)!
-ماذا تقول هل جننت، اقسم لك صادقا أنه ابني، حتى انني أوصله كل يوم للمدرسة سل حارس المدرسة!
-لاتقل جننت للقاضي، اخرجوه من القاعة فورا!اثبت التقرير انت عقيم ياايها الابله، فكيف تدعي أن هذا ابنك!
شعرت أن الأرض تدور حول رأسي لا حول الشمس! عدت الى البيت وسألتني أمي:
-مابك ياحبيبي، أين طاهر، تأخرت اليوم ولم يأت معك او بدونك؟! قلبي أوجعني؟
- هل تعتقدين أن طاهرا ابني؟!
-ماهذا الهراء، ياولدي، انت بحاجة للراحة فالعمل اتعبك جدا.
خرجت رقية مع امين يضحكان وأمينة بيد أمين، انتابني شعور بالغضب فذهبت لهما وأشرت لرقية ان تستعد فسنذهب للمشفى لاجراء بعض التحاليل، لم تسأل عن طاهر، وتجمدت في مكانها مع أمين وكأن على رأسهما الطير!
قبل ان نخرج من المنزل اوصت امي بان تعد الطعام لطاهر عند عودته، فاجبتها بان طاهرا قد اسشتهد في المدرسة!
صرخت امي بأعلى صوتها وسقطت رقية مغشيا عليها، بينما ظل أمين صامتا من هول الخبر. شعرت ان شيئا ما يحدث في غيابي، ولا أخفيك سرا لم يحزنني نبأ اشتهاد طاهر بعد ان تبين انه ليس ابني!
صحت رقية واقنعتها ان تذهب لتتعرف على ابنها بواسطة التحليل.
اجرينا التحليلات واجبرت امين ان يحلل مدعيا أن الفحص يظهر على جميع اسرته حتى من اخواله!
لا اعلم كيف اقتنع، ربما أراد الله كشفهما!
تبين ان الولد منهما بعد ان خرج الطبيب وقال عظم الله اجركما بابنكما، موجها الخطاب لرقية وأمين! وحتى البنت منهما! فهل تخونني وتخون امين ايضا! لم اسألها عن البنت فهذا ماعاد يعنيني!
نظرت على يميني فوجدت سكينا وسط اناء الفاكهة على طاولة الطبيب، أخرجته فأرسلته غاضبا صوب حبيبتي ليستقر في عنقها!، واخرجته وألقيته بقلب أمين. الذي لم يكن أمينا على منزلي، مالهذه الناس تتعمد في مخالفة فحوى أسمائها! هل يتعمدون ذلك؟ أم أن الذي يسميهم يخطئ التوصيف!
ألقي القبض عليَّ وها أنا أمامك وسط النزنانة في يومي الخامس.
سمعت أن أمي في ردهة الانعاش تصارع الموت لهول ماسمعتْ.
حتما سيحكم عليّ بالاعدام او بالسجن المؤبد لقتلي ثلاثة أشخاص! نعم ثلاثة، لان الطبيب الذي حاول انقاذهما ارديته قتيلا ايضًا، يتحول الانسان الى حيوان مفترس ويسلب عقله، عندما تجرح مشاعره!. صدقا قالها ديستوفيكسي (اذا اراد الله تعذيب أحدا، جرّده من عقله)!
انهالت علي الذكريات من اول لقاء مع رقية الى اخر لحظة قتلتها فيها!
قتلتني بجمالها وقتلتها بسكيني، بالأحرى سكين الطبيب!
كانت تقول -دون شعور- ان طاهرا ابني فقط، لكنني لم انتبه لمعنى هذه العبارة؛ لانك اذا احببت إنسانا لاترى عيوبه، وتراه حكيما في كل تصرف يتصرفه.
على كل حال، بلغت مآلي، فلا أشعر بطعم الحياة ولاتفاصيلها، اكتفيت بهذا القدر، عندما تخرج من السجن احملك أمانه ياعمي العزيز أن تبلغ رسالتي الى امي وتقول لها:
سامحيني؛ لانني لم اقبل قدمك كل لحظة!
سامحيني؛ لانني لم اتعلم منك كثيرا!
سامحيني؛ لانني لم اكتف بك ملكة لي!
وساسامحك؛ لانك اسميتيني صائبا، فلم تكن افعالي صائبة، واسميتي ابني طاهرا ولم يكن كذلك!، لكن ماذنب اللقطاء الذين جاءوا للدنيا بنزوة حيوانية! انهم أكرم منا جميعًا.
دخلت البيت قبلّت أمّي بحرارة لدرجة أنها أصيبت بحالة استغراب، وما زاد استغرباها انني بدأت اختلط معها وانزل الى الشارع على غير عادتي فقد كنت محبوسا في زنزانتي، حتى جاء أمر رقية وأفرجت عني، يالها من قاض رحيم! ليت كل القضاة مثلك، لما بقي شخص في سجن..
جاء اليوم الثاني الذي اتعبني مجيؤه. فظننت أن الشمس لن تشرق وقد أصابها الخمول، وكأن شعر رقية الفاحم -الءي عرفته فيمابعد- سقط على الليل وأطال عمره! ووددت لو أضع بطارية أخرى للساعة التي فوق رأسي لانني شعرت بأنها بطيئة جدا على غير عادتها!
على كل حال اتى الصباح، لا بل جاء، نعم جاء؛ لأنه جاء بشق الأنفس فلا يستحق أن أصفه بالإتيان، على اعتبار ان الاتيان سمة للسهولة واليسر، للمرة الأولى أفهم فيها معنى الفرق بين الفعلين وأنحاز للرأي القائل أنه لاترادف في العربية! كل هذا من أثر الحب، فكونك عاشقا يعني أن تكون مثقفا عالما!
وانا أسير إلى رقية الجالسة كعادتها في مكانها المخصص وكأنها زهرة تتفتح عند الصباح وتغيب عند المساء، شعرت أن الطريق يركض أمامي بخطى أسرع مني ليطول أكثر وأكثر حتى الهواء وقتذاك تآمر ضدّي فدفعني للخلف! وصلت رغم كل شيء.
قلت صباح الخير متلعثما ليس لانني مرتبكا، بل لأنني أريد أن أقول أحبك، نعم أحبك أكثر مما تتصورين، فأما أن تحب من النظرة الأولى أو تصمت!
قلت لها أحبك، وأحبك، وأحبك، فخرجت، أهلا، صباح الخير، كيف حالك!!
هل تتغير دلالة الألفاظ في سياقات الحب؟! ياترى اذا كانت تتغير فما دلالة أحبك! هل هي اهلا صباح الخير كيف حالك!!
على كل حال سأختصر لك الحكاية لأنّ الصبح سيحين عكس الصبح مع رقيّة، ما مشكلة الزمن مع العشاق! والمسجونين! ليته يكون منصفا ويقلب معادلته..
بقينا نتجادل ونتصارع في أحاديث ومناقشات، حتى نفر منا اصدقاؤنا وبقينا لوحدنا وهذا ما أريد! في لحظة من لحظات الشتاء كانت تناقشني في نظرية الانفجار الكوني (البنگ بانگ) ومدى صحتها وأدلتها في التراث الإسلامي، حتى ابهرتني واستدلت عليها بالآية الكريمة ((والفجرِ، وليال عشر)) تزعم أن الفجر يقصد به تعالى الإنفجار وهو الانفجار الكوني! بُهرت بماقالت فقلت لها (اهلا، صباح الخير،كيف حالك) فأجابت مستغربة ، ماذا؟! فقلت لها أقصد أحبّك!
اجابت محاولة ان يبدو عليها الاستغراب (كيف ومتى وأين)، لكنها تعرف هذا منذ اللقاء الاول! فالمرأة المثقفة القارئة لاتفوتها مقاصد الرجال وخباياهم، تعرفني قبل أن أنطق بالعبارة، وقبل أن ألوح بالإشارة!
قبلت بي وتزوجتها في ظرف شهر. كنت امامها اختيارا واقعيا؛ لانني انسجم معها فكريا وتعرف انها لن تجد شخصا يحبها مثلي، مرت الايام وتخرجنا من قسم اللغة العربية الذي لم استفد منه الا زواجي من رقية! فأحببته لانه ربطني بها!
كان يزورنا (أمين) ابن عمها الذي رفض اخوها أن يزوجها به لان ابا أمين رفض ان يزوجه ابنته! هكذا تكون المرأة في مجتمع يحكمه التيه والعصبية والتخلف، يعتقدون أنها سلعة تباع وتشترى! حاولت أن أجد فارقا بينهم وبين الذين يشترون الإماء حتى أشعر أنني بعصر مختلف فلم أجد سوى فارق وحيد انهم يبيعون بناتهم لمن يشتهونه لا لمن يعطي أغلى مايملك (قلبه، وحبه)، متخلفون حتى في آلية بيعهم.
على الرغم من تخلفهم الا انني افدت من هذا التخلف ، فلولا تخلفهم لما تزوجت رقية!
انجبت رقية طفلًا يشبه أمي، أخذته لامي بعد ان كبّرت في أذنه، صلت على نبينا وبسملت اعادت الامر مرارا وتكرارا، ثم قالت سنسميه (طاهر) فقلت ونعم الاسم.
بدأت خلافاتي تظهر شيئا فشيئا مع رقية، فتوسع اسرتي وازدياد الطلبات ألقى علي حملا ثقيلا، مما أضطررت الى أن أعمل عملا ثانويا كيما أسد الفراغ الحاصل في المصروف. قلّت بعدها الخلافات نوعا ما في حين أن الزيارات التي يقوم بها أمين كثرت، فلم اتذكر أنني عدت من العمل ولم أجد طاهرا بيده. حتى في إحدى الليالي فقدت صوابي وقلت لرقية هل هو ابنه لدرجة انه يحمله طيلة اليوم!
- ماهذا الهراء ياصائب؟! كيف تجرؤ على لفظ هكذا جمل؟؟
أجبت بتهكم، ههههها قولي لي لو كان ابنه سنعطيه له ويكفينا شره، عله لايزورنا بعدها!
-تصبح بخير ياغير صائب!
بعد سنتين انجبتْ رقية شبيهتها،طفلة كالشمس في رائعة النهار، نسخة منها سوى أنفها المدبب الذي يذكرني بأنف أمين.. أبت رقية أن تسميها والدتي فأسمتها أمينة، فقلت لها يبدو أنني لم اتخلص من أمين فأنفها كأنفه واسمها كاسمه! الذين يزعجونك يدخلون حتى وسط حياتك ويدخلون في معالم رحمك!
مرت السنوات دخل طاهر المدرسة وكان متفوقا، قل انجذابنا انا ورقية، على عكس ماكنا ايام الكلية، لربما عدم اعتنائي بنفسي فأخرج صباحا لوظيفتي وأعود ظهرا لأخرج مرة ثانية لمحل الهواتف النقالة الذي افتتحته بعد ولادة طاهر. تشاجرنا كثيرا كثيرا، خرجت رقية ذات مرة من منزلنا أثر نقاش حاد بيني وبينها، تركتها تخرج لتهدأ ومن ثم أعود لاسترجعها، ذهبت لبيت أبيها في ظهر اليوم التالي فلم أجدها هناك، وحتى أهلها قالوا أنها لم تأت منذ شهرين! عجبا أين كانت تذهب عندما تنام خارج منزلي بحجة أنها عند أهلها!
رجعت الى المنزل ولا أعلم كيف دخلت، ذكرني بعودتي الى قاعة درسي ايام الكلية، لكنني وجدت في قاعتي ماافرحني (قصاصة الورق) هل تذكرها أم شعرت بالنعاس؟!
-محمد.... محمد... أتسمعني؟!! يبدو أنك نمت
اكمل يابني أنا أسمعك منذ أن قلت في العشرين من عمري!
اكمل قصتك واترك محمدا غارقا من نومه بسبب التعذيب!
جيد ياعمي العزيز، عدت الى البيت علّي اجد مايفرحني، فوجدت أمين جالسا وأمامه رقية غامرة في الضحك! قلت لها:
-اين كنت منذ البارحة، قالوا لي اهلك انك لم تزوريهم منذ شهرين؟ اين كنت تذهبين! تغيّب طاهر عن المدرسة بسببك..
-مابك تقذف النيران عيناك هكذا، كنت عند بيت عمي أبي أمين. ثم أن طاهرا ابني وانا حرّة في تربيته!
-أبو أمين؟ ولم ذهبت هناك؟! وطاهر ابني ايضا كما ابنك!
-لافرق بين عمي وأبي، ودخلت غرفتها وهي تسرح شعرها المبلل توا! تاركة التعليق على مسالة طاهر!
دخلتُ الغرفة الأخرى غضبان مكفهر الوجه عبوسا. والتساؤلات تملا رأسي، ماذا تفعل عند بيت عمها؟ هل بدأت تحبه بعد ان كانت تكرهه كرها شديدا؟
ذهبت في اليوم التالي الى وظيفتي وأوصلت طاهرا الى مدرسته.. بعد ساعتين ونصف اي في تمام الحادية عشر تقريبا سمعت دوّي انفجار شديد قال الراكضون أن عبوة ناسفة أسقطت مبنى مدرسة (النجاح). يالهي ليتك ياطاهر، كنت في مدرسة (الرسوب) ولم تكن في النجاح!
ذهبت مسرعا الى المدرسة.. فوجدت قدم طاهر، حقيبة طاهر، ووجهه فقط! هل عرفتك القنبلة طاهرا فاخذتك يابني ! لايمكنني أن أصف هذا الشعور، قلت ان شعور الحب اذا وصفناه سنقبض على انفاسه، لكن شعو فقد العزيز اذا وصفته ستقتل عزيزك مرة أخرى!
دفعتني امراة تصرخ بصوت عال على ابنها وامسكت برأس طاهر المحترق وضمته وهي تنادي باسم ابنها الذي نسيت اسمه!
حاولت ان اخفف من روعها وان ألمح لها ان هذا ابني، صرحت لها انه ابني، صرختُ بوجها، بكيت، لم ينفع معها! تدخلت الشرطة لحل النزاع بيننا، نعم، الشرطة في خدمة الشعب ان تشاجر فيما بينه، لكنها ليست بخدمته ان تكالب عليه الغريب!
طلب القاضي تحليل الجثة ليعرفوا عائديتها
أجري لنا التحليل باستدعاء زوج المرأة التي تدعي ان طاهرا ابنها، بالأحرى جزء منه!
ظهرت نتائج التحليل وأمر القاضي بالتحفظ بنصف جثة طاهر في الطب العدلي! تساءلت غاضبا لماذا لاتعطوني ابني ألم تظهر نتائج التحليل، أجاب القاضي بحزم ( الطفل ليس ابنك، ولا ابن هذه المرأة)!
-ماذا تقول هل جننت، اقسم لك صادقا أنه ابني، حتى انني أوصله كل يوم للمدرسة سل حارس المدرسة!
-لاتقل جننت للقاضي، اخرجوه من القاعة فورا!اثبت التقرير انت عقيم ياايها الابله، فكيف تدعي أن هذا ابنك!
شعرت أن الأرض تدور حول رأسي لا حول الشمس! عدت الى البيت وسألتني أمي:
-مابك ياحبيبي، أين طاهر، تأخرت اليوم ولم يأت معك او بدونك؟! قلبي أوجعني؟
- هل تعتقدين أن طاهرا ابني؟!
-ماهذا الهراء، ياولدي، انت بحاجة للراحة فالعمل اتعبك جدا.
خرجت رقية مع امين يضحكان وأمينة بيد أمين، انتابني شعور بالغضب فذهبت لهما وأشرت لرقية ان تستعد فسنذهب للمشفى لاجراء بعض التحاليل، لم تسأل عن طاهر، وتجمدت في مكانها مع أمين وكأن على رأسهما الطير!
قبل ان نخرج من المنزل اوصت امي بان تعد الطعام لطاهر عند عودته، فاجبتها بان طاهرا قد اسشتهد في المدرسة!
صرخت امي بأعلى صوتها وسقطت رقية مغشيا عليها، بينما ظل أمين صامتا من هول الخبر. شعرت ان شيئا ما يحدث في غيابي، ولا أخفيك سرا لم يحزنني نبأ اشتهاد طاهر بعد ان تبين انه ليس ابني!
صحت رقية واقنعتها ان تذهب لتتعرف على ابنها بواسطة التحليل.
اجرينا التحليلات واجبرت امين ان يحلل مدعيا أن الفحص يظهر على جميع اسرته حتى من اخواله!
لا اعلم كيف اقتنع، ربما أراد الله كشفهما!
تبين ان الولد منهما بعد ان خرج الطبيب وقال عظم الله اجركما بابنكما، موجها الخطاب لرقية وأمين! وحتى البنت منهما! فهل تخونني وتخون امين ايضا! لم اسألها عن البنت فهذا ماعاد يعنيني!
نظرت على يميني فوجدت سكينا وسط اناء الفاكهة على طاولة الطبيب، أخرجته فأرسلته غاضبا صوب حبيبتي ليستقر في عنقها!، واخرجته وألقيته بقلب أمين. الذي لم يكن أمينا على منزلي، مالهذه الناس تتعمد في مخالفة فحوى أسمائها! هل يتعمدون ذلك؟ أم أن الذي يسميهم يخطئ التوصيف!
ألقي القبض عليَّ وها أنا أمامك وسط النزنانة في يومي الخامس.
سمعت أن أمي في ردهة الانعاش تصارع الموت لهول ماسمعتْ.
حتما سيحكم عليّ بالاعدام او بالسجن المؤبد لقتلي ثلاثة أشخاص! نعم ثلاثة، لان الطبيب الذي حاول انقاذهما ارديته قتيلا ايضًا، يتحول الانسان الى حيوان مفترس ويسلب عقله، عندما تجرح مشاعره!. صدقا قالها ديستوفيكسي (اذا اراد الله تعذيب أحدا، جرّده من عقله)!
انهالت علي الذكريات من اول لقاء مع رقية الى اخر لحظة قتلتها فيها!
قتلتني بجمالها وقتلتها بسكيني، بالأحرى سكين الطبيب!
كانت تقول -دون شعور- ان طاهرا ابني فقط، لكنني لم انتبه لمعنى هذه العبارة؛ لانك اذا احببت إنسانا لاترى عيوبه، وتراه حكيما في كل تصرف يتصرفه.
على كل حال، بلغت مآلي، فلا أشعر بطعم الحياة ولاتفاصيلها، اكتفيت بهذا القدر، عندما تخرج من السجن احملك أمانه ياعمي العزيز أن تبلغ رسالتي الى امي وتقول لها:
سامحيني؛ لانني لم اقبل قدمك كل لحظة!
سامحيني؛ لانني لم اتعلم منك كثيرا!
سامحيني؛ لانني لم اكتف بك ملكة لي!
وساسامحك؛ لانك اسميتيني صائبا، فلم تكن افعالي صائبة، واسميتي ابني طاهرا ولم يكن كذلك!، لكن ماذنب اللقطاء الذين جاءوا للدنيا بنزوة حيوانية! انهم أكرم منا جميعًا.
الكاتب
علي محمد علي
بتاريخ ٢٣/١٠/٢٠١٧

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق