بعد أن أتم حفر القبر، وضع قدمه على صدري ودفعني بقوّة، سقطت في قبري، أنزل عليّ التراب سريعا!
لا لا لا أعرف من أين أبدأ حكايتي، حسنا سنبدأ من القطار.
(١)
أدخلوني القطار مقيّدةً بقيودهم الجاهلة، يقودني أخي تارةً وأبي تارة أخرى. جلسنا في بداية القطار، كل من يصعد القطار ينظر الى حالي باستغراب شديد؛ فبنت بعمر الورد مقيدة كأسير حرب يقودها رجلان حتما تكون محط استغراب. نسيت القيود ونظر الناس اليّ ولفت انتباهي فتاة أكبر منّي تحمل حقائبها لكنها لاتصعد بالقطار، قال الجابي (جامع التذاكر)
- لا أعلم ما بهذه الفتاة تأتي هنا يوميا ولاتصعد!
أجابته شيبة كريمة:
-العانس تكره القطار ياعمّي، القطار مصدر رعب للعانس!
نظرت الى وجوه الناس متلونة، تقبع خلف كل وجه قصة ما، آه لو جمع كاتب محترف أقاويل الناس وحكاياتهم لملأ مكتبة ضخمة جدا، كتلك التي أتردد عليها أنا و حبيبي (أمير) الذي قضى يومه الثاني تحت التراب، لا بل فوق في السماء، لا أعلم لماذا نقول عن الأموات تحت التراب، وهم بالأصح عند الله! حتى لو مرت ألف سنة على وفاتك ستبقى أنت الحبيب الأول والأخير لـ ( عائشة) التي ستدفن بعد لحظات بأيدي أبيها وأخيها! قلت هذه العبارات ولم اشعر أن صوتي ارتفع قليلا!
سمع اخي صوتي فضربني ضربة إلى الآن أشعر بها.قال بصوت حقير:
- رغم كل التعذيب والضرب أما زلت ترددين اسمه؟قلت لك ياابي قتلهما هو الحل الأمثل لنتخلص من عارهما!
- ما الذي فعلناه حتى تقتلونا؟!
- فعلتماه!!! يالك من فتاة حقيرة، تحبين شخصًا وتقولين ماذا فعلتِ؟! أي جرم بعد هذا الجرم؟! ستتلقين جزاءك ونسكت أفواه الناس بقتل عارنا بعد توقف القطار !
- ضربة الله أقوى ياأُخي الذي أحب!
ربما أنني أول فتاة او مخلوق يسير فيه نعشه وهو حي، فبمجرد ان يتوقف القطار سأدفن حيّةً، بجريمة الحب الطاهر!، نعم طاهر لدرجة أنني سأدفن!
الأشياء الصادقة في هذه الحياة لابد أن ندفع ثمنها حتى لو كان هذا الثمن الدفن حيًّا!
كان قلبي يحترق ألما، ليس لأنني سأدفن بعد لحظات، بل لأننا لم نرتكب جرما يستحق هذا الجزاء! جرمي أنني أحب طالبا في قسمي (قسم الفلسفة)، شخصًا لم يعرف إلا أمه وأباه المفقود، وأنا، وكتب مكتبة كليتنا الضخمة!، ياترى ماحال أمه الآن، لم تمر على فقد زوجها أكثر من سنتين، لما يزل جرحها أحمر! لوكان بامكاني أن أدفع ماتبقى من حياتي (المسافة المتبقية من سكة هذا القطار) لأعرف حالك الآن!
(٢)
وصلنا المحطة الأولى،توقف القطار لينزل بعض الركاب، ويصعد آخرون. آخر ما نزل من الرّكاب رجل مكفهر الوجه، وامرأة يبدو عليها زوجته ، تجر خلفها ثلاث أطفال، وتحمل طفلا رضيعا بيدها. تلعن وتشتم ابناءها وتندب حظّها مع كل خطوة تخطوها.. في الوقت نفسه صعد شابّان القطار (شاب، وفتاة) وهم في غاية السعادة يداهما تشتبكان كأغصان شجرة الرّمان. يالها من حياة تعيسة ومتناقضة، في لحظات قصيرة تريك تناقضاتها وبشاعتها!
عاود القطار سيره مرة أخرى، لم أشعر بمرور سنوات عمري السابقة بقدر شعوري بالمسافة التي قطعها القطار. عمري الآن محطّة واحدة، لربما تبقى من عمري محطة أو محطتان!
افتقد حنان أمي كثيرا، فهي أيضا تعاني الآن أكثر مما أعانيه الآن، فقد حبسوها في حجرة الدار الأخيرة، ذنبها أن ابنتها أحبت بصدق! ماذا لو يعرفون أنها تعلم بحبي الطاهر لأمير حتما ستكون الأن بجانبي على هذا المقعد الفارغ. لا أخفي سرًا تمنيت للحظة من لحظات الضعف أنهم يعلمون بذلك؛ حتى اعانقها الآن
آه آه يااماه كم تمنيت الآن حضنك، لوتعلمين بحالي الآن أصبحت كالشباك أحضن نفسي عوضا عن حضن الآخرين..
كان شريط حياتي يعرض بصورة سريعة أمام عيني (قرأت ذات مرة أن الذي يأتي أجله يعرض شريط حياته امامه) فها قد عرض شريط حياتي، بقي أجلي حتى تصح تلك المعلومة تطبيقيا!
تذكرت أصدقائي الذين يضحكون معي لم يسألوا عني أبدا! شعرت في حينها بقيمة السارق واحترمته. فهو الوحيد الذي يتمنى لك راحة ونوم هادئ وصحة جيدة! بعكس المحامي الذي يتمنى لك مشكلات كثيرة، والطبيب الذي يتمنى لك مرضا شديدا!
توقف القطار في المحطة الثانية، صعدت فتاةٌ تحمل مجموعة من الكتب، كان أعلاهن (الجريمة والعقاب) لديستوفيسكي. قلت في سرّي: في عالم المثل هناك جريمة وعقاب، لكن في عالمنا (السفل) هنا عقاب بلا جريمة!.... صعد الكثير من الناس، وفي كل شخص نظرتين، نظرة العين الأولى الاستغراب، ونظرة الثانية الرأفة والترحم على حالي.
عاود القطار سيره، لكن هذه المرة بسرعة أكبر، ولربما شعرت أنه أسرع لاقتراب الأجل.. وصلنا المحطّة الأخير نزل جميع الرّكاب إلا أنا وأبي وأخي كانا نائمين من شدة التعب، فقد ضرباني وأمي وقتلا أمير بعد تعذيبه وضربه، كل هذه الأفعال في نصف يوم، يالها من شهية مجرمة.. أردت الفرار، وكان باستطاعتي الفرار، لكن أطرقت هنيهة وفكّرت ماذا سيفعلون بأمي، ماذا ستقول الناس عنهم، رغم كل تعذيبهم إلا أنني لم أخنهم، لا مع أمير، ولا بعد موته! ندبت حظي السيء كثيرا وأصابت قلبي حرقة تختزل كل آلامي، أحيانا يتحمل القلب أكثر من عمل في آن واحد، عجبا لتلك العضلة وقوتها!
(٣)
حركت السلاسل، فزّ الإثنان فزعين، أنزلاني من القطار وسط أنظار الجميع أخذوني إلى منطقة نائية عن القرى حيث التراب وعدم تواجد البشر، أنزل أخي أداة الحفر من كتفه وبدأ يحفر بشدة وسرعة... استمر بالحفر حتى حلّ العصر، أوقفني على حافة الحفرة وضع قدمه على ظهري وردد بصوت مرتجف خذي جزاءك أيتها السالفة!
تذكرت مرة ونحن طفلان كانا نلعب في سيارة أبي البيك آب وهو على حافة السيارة أراد أن يسقط فلا استطيع انقاذه، احتضنته وسقطنا سوية، خلف السقوط ندبة بجبيني، بينما هو لم يصب بأذى.
دفعني وسقطت في الحفرة..سمعت بكاء أبي وهو يقول: سامحني يارب، سامحني، واغفر لي ولابنتي! عجيب تناقض هذا الرجل، يطلب السماح من الله ولم يسامحني وسيقتلني! ماهذه الوقاحة..
بدأ أخي إرجاع التراب إلى الحفرة، وبالتحديد على راسي اولا، احتضنتني كل ذرة تراب سقطت على جسمي بدأت شيئا فشيئا اختنق، تضاءل ضوء السماء حتى اختفى.. كنت أردد ولم اقطع ترديدي (ان كنت بئس العبد، فأنت نعم الرب) لم اترك هذا النداء حتى عندما فقدت الاكسجين.. شعرت بقيمة أن تتنفس بحرية وبصحة على الأرض التي كنت أكره التواجد بها قبل قليل!
تحرك التراب فوق راسي قليلا، ظننت أن الملائكة تنزل علي، لكن انا لست ميتة، نعم هو ملاك أبيض الوجه، لحيته مدببه وحاجبه طويل كقوامه، انتشلني من التراب وانا ألفظ آخر أنفاسي، أخرجني سليمة قبل لحظات من موتي، في سياقات أخرى يكون الشباب مصدر خطر على فتات مثلي في شبه صحراء لااحد سوانا. لكن الامور ليست دائما على نسق واحد. فهذا الشاب ذو العضلات المفتولة والعينين الخضراوين أصبح مصدرا للأمن لي.
خرجت من قبري وكأنني قطعة منحوتة لم يكملها نحاتها بعد، صفحة من كتاب تراثي قديم.
تيقنت من قول أمير الذي كان يردد (الذين يعدون الحب جرما، لاتوجد في قلوبهم رحمة مطلقا) فعلا ياامير لاتوجد رحمة، بل يتحولون الى سفّاحين. اسلامهم الذي يمارسونه فقط على النساء، مؤمنون حين لايعترض الايمان مصالحهم الشخصية. يحرّمون سماع أصوات الغناء، ولايعلمون أن الأصوات التي تصدرها ملاعق الأغنياء حرمة اذا سمعها الفقير الجائع! يضعون الله بينهم، وسطهم لدرجة أنهم رخصوه (حاشاه)
لم أنطق بكلمة واحدة، كذلك لم ينطقِ الشاب. أشار إلي بيده أن اتبعيني، فتبعته كنعجة تتبع الراعي دونما تعرف المكان الذي ستبلغه!
ماذا سيفعل لايهم، الذي أخرجني من قبري كفيل بأن يبعد كل خطر عنّي، نعم. فالله كفيل بنا فقط علينا ألا نتسرع ونفقد صبرنا..
(٤)
وصلنا إلى خربة ادخلني بها، سوّى الأرض وفرشها ببعض الأعشاب التي يطعمها للحيوانات. غاب ساعة من الزمن كاد الليل أن يقع على تلك الأرض الموحشة. كل أرض ليس لك فيها خليل موحشة حتى لو كانت جنة الله في أرضه..
عاد إليَّ بإناءين إناء فيه ماء وإناء فيه بعض الحساء. تناولت الحساء كما لو انه ماء في قدح، مرت أكثر من أربعين ساعة ولم يدخل الطعام معدتي. شربت الماء واكلت بعض الخبز الذي احضره الشاب. في لحظة من لحظات حياتك تشعر بأنك مجرّد حيوان لايضر ولاينفع، حيوان يجلس في خربة، أشعث، أغبر، تخلى عنه جميع أهله، حتى ذرات التراب التي احتضنته في قبره قبل قليل بدأت تتخلى عنه، فتساقطت شيئا فشيئا.
بدأت أستجمع قواي وأركز في حياتي الجديدة التي بدأت قبل قليل، في على الأغلب عمري شاعة أو ساعتين. على مايبدو أن الشاب سمع أبي وأخي يتحدثان بشأن الجرم الذي ارتكبته بنظرهم طبعا. لكن لماذا لم تفوّه ولو بكلمةٍ إلى الآن!
اعطاني قطعة قماش وبعض الماء لاغسل وجهي واطرافي، قلل من ضوء السراج الذي أصبح يلفت النظر عند اقتراب الليل، خرج وأغلق الباب بهدوء عرفت أنه يلمح الي بأن علي النوم... نمت نومًا عميقًا جدًا.. ترآى لي أمير في المنام يحمل كتابا بعنوان (نحو حياة هادئة) لكن هذا الكتاب مقطوع طرفة بالسكين.. صحوت من نومي والعرق يتصبب مني، قرأت المعوذات ونمت، مرة أخرى جاء أمير يحمل معه زهرة بيضاء اللون مقطوع غصنها! مامشكلة هذه المقطوعات ياالهي هل حقا هذه الأحلام لها دلالات أم أنها مجرد أضغاث أحلام!
نمت مرة ثانية او بالاحرى غفوت دونما شعور، جاء أمير مع أمي، تسأله أمي:
-أين عائشة ياأمير؟
-خالتي العزيزة ، بنتك في مأمن، وقد توهموا أنهم دفنوها، لكنها تحت رعاية الله في أرضه.
-ستتزوج رجلا مقطوع اللسان والنسب!
- كيف؟! بنتي محبوبتك تقبل أن تتزوج بهكذا رجل؟!!
-لو كان باستطاعة هذا القلب ينبض فقط، لما تركتها بيد أي مخلوق آخر. على العموم ، أنا أحدثها على الزواج بهذا الرجل، ستلقى خيرا، ويالنتيجة هو الرجل الوحيد في المكان الذي تسكنه!
انتهى الحلم وكان مشهدا دراماتيكيا يفيض حنينا تمنيت لو أنني أتحول حروف لينطقني بها أمير وأمي!. لكن ماذا يعني برجل مقطوع اللسان والنسب! قال إن الوحيد في المكان،وهذا الرجل فقط رأيته الى الآن! اذ ا وجدت هذا الرجل بدون لسان سأصدّق الحلم لامحالة!
(٥)
انتظر الفجرُ المؤذنَ ليصدح بذكر الله، حتى يتنفس، فقد خنقه سواد الليل الحالك.
كبّر المؤذن. فتنفس الصبح وأُفرِجت أساريره، خرجتُ خارج الخربة وإذا بي أنظر الشاب نائما عند باب خربتي وهو متكئ على أداة الحفر الخاصة به. أغرورقت عينياي بالدموع، ولولا استيقاظه لمطرت عيناي مطرا شديدا!
هناك غرباء يسهرون حتى تنام، وهناك أهل يدفنوك حيا حتى يناموا! ماأبشع تناقضات الحياة!
فزّ الرجل من مكانه، راح يتوضأ ورجع وعيناه تكاد تعانق الأرض لشدة حيائه، صلّى صلاة الفجر لكن دون أن يجهر بذكر الله ولم يكبّر؟
سألته بعد أن أتم صلاته:
-كيف صليت ولم تجهر؟ صلاتك باطلة!
ابتسم ربع ابتسامة، ورجعت عيناه تعانقان الأرض!
بحثت عن إجابة تترجم تلك الابتسامة فلم أجد. عاودته قائلة:
ماذا تعني بتلك الابتسامة، ولمَ لم تجبني عن سؤالي؟!
فتح يده وحركها قليلا، وأطبق شفتيه، كناية عن عدم معرفته.
قلت: كفاني فضولا على رجل تكرم عليّ.
اخذ الرجل آلته التي يزرع بها بعد أن أطعم حماره وغاب عني الى الظهيرة.
عاد يحمل مع الحمار بعض الأعلاف.. هرولت مسرعة ساعدته على انزال الاعلاف منه. ابتسم ابتسامة تدل على الامتنان والعرفان. بعد ان أنزلنا الاعلاف غاب مرة أخرى ليأتي لي برز ولبن، قدم لي وجبة الغداء وخرج خارج الخربة وكأنه ينتظر ان انهي طعامي..
وانا آكل الطعام فكرت من أين يأتي بهذا الأكل وكيف يعد هذا الطعام بهذه السرعة!
بقيت على هذه الحال لمدة أسبوع كامل، لم يحدثني، ومازلت اتناول الرز واللبن يوميا. كنت لا احب الرز ولا حتى اللبن، لكن حتى تعيش عليك أن تأكل ما لا تحبه.
في اليوم الثامن بعد ان انهيت الغداء خرجت أرمي بقايا الرز والخبز الى الدجاجات خلف الخربة، جاءني مسرعا وتلقف الطعام مني واشار إلي بأن ادخل الخربة، دخلت لكنني صرت أنظر إليه بعين الفضول، ماذا سيفعل ببقايا الطعام، ولماذا لايقبل ان اعطي هذه البقايا للدجاج؟ هل هي محرّمة في هذه القرية؟ طبيعي جدا، فنحن كبرنا على الترهيب لا الترغيب، كنا في المدرسة يقول لنا المعلم لاتصرخوا في وجه أهلكم فسيهلككم الله بدلا من ان يرغبنا ويقول احترموا اهلكم سيدخلكم الله الجنة، يضعون الافكار المنحرفة برأسنا ويطلبون منا ألا نفعلها!
دققت النظر الى الشاب، فإذا به يأكل بقايا الطعام بنهم، وكأنه لم يأكل منذ أسبوع!. نعم فهو بالأحرى لم يأكل منذ ثمانية أيام، عرفت فيما بعد أنه كان يخفي وجودي عن أهله، فخشي أن يعرفوا بوجودي إذا أتى بطعام لشخصين!
بكيت لمافعله لأجلي، وقررت أن أترك هذه الخربة أو الجنة التي حُولت بفضل هذا الرجل، قررت الذهاب حتى لا اسبب له المزيد من الصدمات.. في هذه الأثناء سمعت صوت أقدام على الأغلب تتجه نحونا، فز الشاب وسقطت بقايا الطعام منه. ذهل مهرولا الى الرجل الذي صرت أنظر اليه من فتحات الخربة، أخذ الشاب بيده وراح يريه الأعلاف التي جلبها وعدد الحيوانات وحال الزرع في هذه الأرض. بدت على أبي الشباب -الذي عرفت فيما بعد انه أبوه- ملامح الرضا، هزّ رأسه مايقارب ثلاث مرات، قام بتنحية الرجل جانبا واتجه للخربة، شعرت أن ملك الموت اتجه نحوي للمرة الثالثة، المرة الأولى عندما عذبني أبي حد الموت لانني اخذت صفرا في مادة الرياضيات، والمرة الثانية عندما دفنني أبي وأخي، والثالثة عندما اتجه هذا الرجل صوبي. تجمدت أطرافي وأطراف الشاب كاننا ملف نحاسي مربوط على التوالي.
٦
قبل أن يصل بخطوات معدودة وهو يهيء أصابعه ليسحب باب الخربة، رعدت السماء وأيما رعد، وأمطرت مطرا شديدا وضع الرجل الكبير يده على راسه لشدة المطر وراح مهرولا نحو المكان الذي جاء منه. بينما بقى الشاب مكانه صامتا كفزاعة زرع وضعها أبوه وذهب. رفع يده يشكر الله لهذا المطر وهو ينظر صوب خربتي وصوب الزرع، وكانه يقول حمدا لك يا ربي على هذه النعمة، خلصتني من هذه المشكلة وأسقيت الزرع. كانت أمي تقول دائما إن المطر خير، صدقت ياأمي واللهِ. لم يفتح الباب علي. ذهب نحو أبيه غيّر ملابسه وعاد بعد انقطاع المطر ليساوي بعض المرتفعات حتى يجري الماء بشكل طبيعي على باقي الزرع، أخذت أداة الحفر وذهبت معه أفعل كما يفعل، ضحكتُ وضحك، شعرت للحظة أنني أسعد شخص على هذه الأرض، لكن للحظة فقط، لانني تذكرت حالي وما أنا به، ما ابخل السعادة التي تأتي لمرة واحدة فقط ومن ثم ترحل! ليتها تتعلم من التعاسة التي تمكث طويلا حد الجزع
هبت رياح باردة، بدأت أتراجف من البرد، نزع معطفه القديم وأعطاه لي، شكرته لكنه لم يقل شيئا! صمته حيرني جدا. هل قصتي وحالتي فعلا لاتوجد لها مفردات في معجم اللغة! قيل: إن اللغة العربية متكونة من حوالي ١٢ مليون كلمة! فضلا عن اللهجات المحلية، هل من المعقول أن هذا الكم الهائل يعجز من التعبير عن حالي!
دخلت من البرد الى المأوى، سمعت صراخ بعيد تتقطع تموجاته الصوتية بسبب تصادم الهواء شمالا ويمينا نظرت من فتحة الخربة هذه الفتحة أصبحت الناطق والشاهد الاعلامي بالنسبة لي فلايمكني العيش بخربة دون فتحات! وانتِ اذا أردتِ العيش بمثل هذه الخربة عليكِ بصنع فتحات فيها، فبدونها تصعب الحياة!
نقلت عيني الى الفتحة الأخرى شاهدت فتاة بعمري وقوامي، دون عباءة وحجابها يجر أذياله وقد تعلق طرفه بثوبها، على راسها تراب، ملطخة بوحل كثيف تبكي وتهرول، أشارت للشاب فجثى محنيا على ركبتيه، وبكى بكاء شديدا. ما الذي قالته له. كدت أموت من عدم معرفة مايجري، قبل قليل كنت اعترف بفائدة الفتحة التي في الخربة الآن هذه الفتحة أدخلتني في رعب فلا أستطيع فهم مايحدث، أحيانا يكون الصوت مهما في فهم الاحداث، مناصفة مع الصورة، فالحق أن تقول سمعت ورأيت لا أحدهما!
تناسيت لهول المنظر أن الشاب يخفيني عن الناس، فخرجت اتفقده أمسكت به وبكى بكاء شديدا، نظرت الفتاة إلي فرمت جسدها الذي تهاوى عليّ، حضنتها وبكت كما بكى اخوها عرفت انه أخوها لانه يشبهها جدا.
ذهبنا الى منزلهما فوجدنا الرجل الكبير ممددا والناس حوله، عند رأسه الشيخ يقرأ سورة (يس) على رأسه، والطبيب يحدث رجلا آخر. سألت الطبيب عن سبب وفاته أجاب: أصابته حمى شديدة بسبب البرد والمطر ورئته مهترئة بسبب السجائر فلم يتحمل، قلت له امتنع عن التدخين لم يمتنع.. تعددت الأسباب والموت واحد. البقاء لله.
جلسنا نقيم العزاء لم ينتبه الناس لي ظنوا انني من اقاربهم جئت أعزيهم بمصابهم، الحياة كالقطار الذي نزلت منه، يصعد أناس بنزول آخرين، فموت أبيهم أتاح المكان لأدخل منزلهم وحياتهم.
انتهت مراسم العزاء، انعزل الشاب وحيدا في غرفة أبيه أصبح لايرى أحدا، فقد كان لايكلم أحدا أصبح الآن لايكلم ولايرى. البنت لا تتحدث أيضا، ماهذه العائلة يارب. قلت لربما من صدمة المصاب ستتحدث حتما. لم تسأل من أين أنت دخلت على أخيها وخرجت متعاطفة معي، هؤلاء الناس مشفرون، يفهمون بعضهم فقط. ألغيت فكرة أنني اترك المكان فقد حول المطر كل شيء... أعددنا العشاء وأدخلناه على الشاب وجدناه يصلي في ركن الغرفة وكأنه سراجي الذي يضيء لي الخربة!
الصادقون مع الله لايحتاجون إلى إضاءة وسط الظلام.
نظر إلينا دون أن يحرك رأسه، فقط بعينيه. لم يقطع صلاته، انتظرنا كثيرا حتى برد الطعام ، أشار بأن تفضلوا الى طعامك وشعرنا أنه لايريد المجيء، قلت لها لنأكل ولنعد له الطعام بعد انتهائه من صلاته. فأكلنا وشبعنا وشربنا الشاي ولم يتنه من صلاته، ظل ساجدا ولم يرفع رأسه، بقي ساعة من الزمن بدأ الشك يساورني فلم أرتح لهذه السجدة، حتى السجود يدخل الريب في قلبي!
٧
نهضت وحركته قليلا فسقط، حركته بيدي فإذا بأطرافه متجمدة، ناديت على اخته بان تحضر الطبيب، فرّت مسرعة فجاء للطبيب سريعا، تفقده وأعطاه بعض الحقن.. أفاق بعد ساعة تقريبا، قال لنا الطبيب وهو يغلق أزرار حقيبته دون أن ينظر إلينا: خذوا حذركم، عليكم الصبر فقد يستغرق وقتا طويلا حتى يتماثل للشفاء، الصدمة قوية، فهناك أمل قليل بأن يقف على قدميه!
بكت أخته، واحتضنتني. شكرت الطبيب وأوصلته الى الباب، لا أعلم من أين أتاني هذا التجلد. كنت اتظاهر لأمير أنني قوية جدا، لكن ليس الى هذا الحد. الظروف تجبرك على ابراز طاقتك الكامنة.
جلسنا عند رأسه حاولت الحديث معه،لم يتكلم فقط ينظر بعينه على اخته وعليّ، كلمت أخته، فبدلا من أن ترد عليّ كانت تنظر الى الأرض وكأنها تشعر بذنب ما! شرحت لها قصتي وكيف عثر عليّ، أشارت برأسها أشارة العالم بقصتي، فابتسم الشاب للحظة، فعلمت أنه أبلغها. قبل موت أبيه لكن أباه لايعلم بي، فعندها علمت لماذا لم تنصدم بخروجي من الخربة.
في هذه الأثناء طرق أحد ما الباب ذهبت البنت تفتحه، فسمعت صوت فتاة تقول : كيف حالك، امورك. هل ياترى نطقت هذه البنت!
دخلت علينا مع البنت فتاة جميلة طويلة بيضاء، سلمت علي وعلى الشاب وتمنت له السلامة. عندما رآها الشاب أراد النهوض فلم يستطع، انفجر باكيا، فقالت:
- مابه؟
-قال الطبيب أنه لايستطع السير حاليا، ونسبة أن يقوم ويسير نسبة قليلة، لكننا لانفقد الأمل بالله. نلتجئ لله عندما يعجز الأطباء، ولانلتجئ له قبل الأطباء!
بكت الفتاة وخرجت مسرعة وهي تقول مسكين ماذا رأيت من حياتك. لم أستطع اللحاق بها، خرجت مسرعة وتوارت خلف الزرع الكثيف ذهبت خلفها فإذا بي أجدها قد صعدت القارب، نظرت من حولي فوجدت أننا نسكن في مكان منعزل بينما يسكن الآخرون على الجانب الآخر!
عدت الى البيت فوجدت الشاب يتواصل مع الفتاة بلغة الإشارة، وهي أيضا
يالهي هل هما أبكمان لايستطيعان التحدث! سألت الفتاة فبكت بكاء شديدا، حاولت أن تُفهّمني ما السبب وراء هذه الاشارات، بقيت لثلاث ليال تُفهمني بلغة الاشارة مع الاستعانة بالرسم، عرفت أخيرا أن أخوها كان يحب هذه الفتاة التي خرجت باكية، صرح باسمها امام القرية، فعرفوا اهلها بانه يحبها وصرح باسمها. فغاروا على بيتهم وقطّعوا ألسنة عائلته، عدا أمه التي كانت في طريق العودة من بيت الله الحرام، وما إن عرفتْ بما جرى ذُهلت، فتحت فمها، سقطت بعض المسبحات وسجدادات الصلاة من يدها، توقف نبضها ..ماتت على عتبات البيت!
٨
قرر في حينها الأب أن يترك القرية، وان يتحول الى هذه البقعة ويتخلص من دنس الناس ونفاقهم. يكون الحب جريمة في مجتمعاتنا، والسرقة رجولة!
بكت البنت بكاء شديدا وهي تشرح القصة لي (مستعينة بتمثيل المشاهد)، ذهبنا إلى أخيها فوجدناه ينظر الى صوره أمه وهي بمحرم الحج وإلى صورة أبيه واضعا سيكارته في فمه. ينظر الى هذه الصور وعيناه ممتلئتان بالدموع. عندما نظر الينها غير مجرى دموعه كما يغير مجرى الماء في حقوله التي لم يزرها منذ وفاة أبيه.
تواصلت معه اخته بلغة الاشارة التي صرت اتقنها شيئا فشيئا وأتواصل معهما، قالت له بمامعناه: قلت لها كلّ ماجرى معنا،فأغمض عينيه لوهلة وسحب نفسنا عميقا كناية عن الحسرة والندم.
لا يساورني الشك برجولته وشجاعته، فسألتها ماذا فعل بعد ان فعلوا بكم هذه الأفعال، أجابت بالاشارة، منعه أبي من العراك معهم مرارا. وكان يطيع أبي كثيرا. وقال لي انه يخشى علي اذا فعل شيئا لهم، سيقتلوني.
شعرت في حينها أنه الرجل الذي يستحق أن يقال عنه رجلا. الرجال قليلون جدا. أحيانا تنازلك عن الصراع ليس لجبنك، بل لانك أشجع من أن تتصارع مع من لايجيد الحرية، ولايعرف الانسانية. فيكون السكوت أولى.
ونحن في معرض الحديث عن امورنا سمعنا صوت السماء ترعد وتبرق، أمطرت مطرا شديدا دق سقف البيوت دقا شديدا. أشرت للبنت أن نذهب لتسوية الارض حتى يجري الماء على الزرع، وافقتني، وذهبنا تحت المطر، علمتني كيف كان أخوها يفعل، فساوينا الأرض وعدنا....وفي اليوم التالي ذهبنا نحصد بعض للمحاصيل التي آن قطافها. حصدناها وذهبنا الى السوق نبيعها.
اشتريت للشباب ألبسة أعجبتني، تلك التي اشتريت لامير منها في عيد ميلاده. كل شيء يذكرني بك ياامير. حتى الهواء الذي يضرب أنفي يذكرني بك، أصبح يدخل أنفي دون استئذانك، قلت لي ذات مرة: اغار عليك حتى من الهواء الذي تستنشقينه، لن تستنشقي هواءً من دون أن تستأذنيني. ياترى كم من هواء استنشقته دون أذنك. أتذكر مرة ونحن جالسان في المكتبة ونتحدث عن القبور والبرزخ، قلت لي: عائشة: إذا توفيت قبلك لا أبريك الذمة إذا جئتِ لزيارتي؟ فقلت : أبعد الله الشر عنك ، ولماذا لا ازورك؟
فأجبتني قائلا بحرقة: أيتها الغبية التي أحب، أغار عليك حتى من القبور!
آه ياأمير لو تعلم ماذا فعل الأحياء بيّ.
ندهتني البنت كما لو تندهني وأنا على فراشي صباحا، فقد وصلنا مكان سكننا. نزلنا من القطار. أصبحنا نسير بين الحقل للخضراء التي فيها رائحة التراب الجميل، يرحب بنا الزرع، ويصفّر لنا الهواء ، تخيلت نفسي لوهلة أنني عارضة أزياء أسير على مصطبة العرض (الستيج)، للحظة ما تذكرت الحلم الذي حلمته في الخربة (الكتاب المقطوع)، علمت أن تفسير الحلم هذا. لسان البنت والشاب مقطوعان. اغرورقت عيناي بالدموع نظرت للبنت تبتسم فغيرت مجرى الدموع كما أغير مجرى الماء في الحقول، عجيبه هذه الحقول تعطيني هرمونا من السعادة والصبر.
بقينا نحصد ونزرع انا والبنت أجرينا للشاب علاجات طبيعية بدأ وكأنه يستجيب للعلاج شيئا فشيئا.
٩
في إحدى الليالي ونحن على مائدة العشاء وعندما انتهينا تبادلنا أطراف الحديث، حديث بالاشارة طبعا فصرت اتقنه بل اتفاعل معهم بالاشارة واحيانا تمر أيام ولا اتحدث، اشتقت للكلام وللحديث. قالت لي البنت لماذا لاتتزوجي اخي، فأراكما متقاربان تماما، وتأخذي راحتك في منزلك. شعرت لوهلة أن عينيه تلمع، كل منا يتذكر حبه الأول. نعم نحن لمن أحببناهم، لكن لم يكن ابو تمام واقعيّا حين قال
نقلْ فؤدكَ حيثُ شئتَ من الهوى
ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأولِ.
كمْ منزل في الأرضِ يألفه الفتى
وحنينُه أبداً لأولِ منزلِ
عذرا ياأبا تمام فالحب لمن يستقر قلبك عنده، بقطع النظر عن مرتبة الحب وزمانه. فهذا الشاب لا أوافيه حتى لو احببته مليون عاما بالوتيرة نفسها، فقد انقذ حياتي.
قلت لهم: الخير فيما يختاره الله. فهما انني اقبل وهذا واقع صحيح. ملأت البسمة وجوههما وأصابهما حبور للمرة الأولى أراه يظهر على وجوههما. للحزن وجه، وللفرح وجه، وللغضب وجه.
نظرت الى حاجب الشاب الجميل وعينينه الرائعتين وتذكرت قول ابن تغري:
فلمّا رآني العاذلون مُتيّماً
كئيباً بمن أهوى وعقلي ذاهبُ
رثوا لي وقالوا كُنت بالأمس عاقلاً
أصابتك عينٌ؟ قُلتُ عينٌ وحاجِبُ!
ذهبنا انا والبنت لفراشنا، نمنا وتركناه يصلي صلاته التي لاتنقطع. اخذني النوم صباحا فصحوت ووجدت المنزل مختلفا. الزينة تملأ المكان قلت لها من اين اتيت بهذه الزينة، أفهمتني انها عندما تغيب قليلا كلما نذهب للسوق تشتري بعض من هذه الزينة من مصروفها الذي يعطيه له اخوها، وكنت كلما اسألها أين تضعين اموالك تقنعني بأنها تجمع الاموال في صندوقها الذي جلبته لتخدعني! ياله من خداع شريف، الشرفاء حتى خداعهم شريف!
احتضنتها وأخرجت حصرة من قلبي أرتحت بعد اخراجها وكأن حملا قد أزاح من قلبي، لبس الشاب الملابس التي اشتريتها له. أصبح كراهب يشع وسط ظلام حالك، لم أر بدرا مثله!
أقمنا حفلا صامتا لبسنا فيه اجمل ثيابنا، أخرج من جيبه خاتما أحضرته له اخته. الأخت لاتعوض، الأخت شمس تجلي العتمة التي تقبع في نفسية الأخ، الأخت نسمات ربيعية تهب وسط سموم آب!
قدم لي الخاتم هدية، قبلتها وانا أفتح فمي للوراء بكل ما أوتيت من قوة تعبيرا عن الابتسامة المتضامنة معه.
لم يبق شيء يمنعنا من الزواج إلا العقد، وانا افكر بهذه المشكلة دخل علينا شيخ كبير على ملامحة الطمأنينة والهدوء، كانت قد ذهبت له البنت صباحا لتعطيه موعدا للمجيء، بارك لنا وهنأنا تهانٍ حارّة. يبدو هو الشيخ الذي سيعقد لنا، سألني عن ولي أمري حتى يأذن منهم، ففي مذهبنا أنه لايجوز أن تزوج البكر دون أذن ولي أمرها (ابوها وجدها)، تجمدت أطرافي، نزلت دمعة حارة شعرت أنها حفرت خدي. حكيت له قصتي، فأغلق سجلّه، وحوقل وتأفف. قال سأساعدكما في تخطي هذه المحنة، يجب علينا الذهاب الى حاكم المدينة كيما يزوجكما لانه إذا حَكَمَ بصحَّة هذا العقدِ حاكِمٌ، أو كان المُتَوَلِّي للعقْد حاكمًا - لم يَجُزْ نَقْضُه حتى لو لم يحضر ولي امر البنت. اتفقنا على الذهاب، ذهبنا للحاكم فطلب منا أسماءنا!
قلت: (عائشة حسن محمود)
-وما اسمك أنت، وهو يوجه خطابه للشاب!
-انه أبكم يا سيدي..
-اجيبي انت، ما اسمه؟
صمتُّ للحظات حائرة بماذا سأجيبه، كلانا لم يمتلك هوية، لم يعمل له ابوه هوية، فقد ولدته امرأة في الحي، هكذا اغلب الرجال هنا، هويتهم حبهم للارض وانتماؤهم لها.
شاورت الرجل ذا الشيبة المباركة فقلت له لانملك هويات ماالعمل؟
نادى القاضي ألم تسمعي؟ ما اسمه؟
اجابه الرجل الكبير ضاحكا اسمه (أمير مُحسن).
اخرجتُ (آهْ) بصوت متوسط دونما شعور بها، قال لي القاضي مابك؟ حركت كفي يمينا وشمالا دلالة على انه لم يحدث شيئا.
زوجنا القاضي وانصرفنا منه، قبل ان نصل الباب، نادى على الرجل الكبير الذي توسط لنا عنده، لاتجلب لي مثل هذان الأبلهان مرة أخرى يا سيّد، اجابه سيد، ان شاء الله ، مع السلامة..
قال لي في الطريق، لاتكترثي لأمره، الناس دائما يتهمونك بالسوء لانهم لايعرفونك.
ركبنا للقطار ووصلنا الى البيت
سألت شيخ سيد ونحن في الطريق قبل وصولنا عن صحة الاسم، قال هو اسم وهمي، يقول ابن قدامة الزواج يتم بتعيين المتزوجين بما يوضحهما للغير، سواء كان الاسم او الاشارة.وانتما فقط عند القاضي فكنتما معروفين تماما.
-جيد، لكن لمَ اخترت اسم امير؟!
-لأنه أميرك!..انصرف و قال باسما : (لايساورك الشك في صيغة العقد، فهو شرعي على سنة الله ورسوله، هناك شيء اسمه الفقه، وهناك روح الفقه، زواجا مباركا) الى اللقاء.
-الى اللقاء وشكرا لك.
دخلنا البيت استقبلتنا اخت زوجي فرحة مسرورة. اشارت الينا بان ندخل غرفتنا سوية. اصابنا الخجل واحمرت وجنتينا.
أنزلته من عربته، ووضعته على الفراش، تلك العربة التي عرفت بصمات يدي وميّزتها عن اخته لكثرة مسكها من قبلي.
صحونا الصبح ونحن ننظر بعين بعض، قبلني قبلة خجولة، واحكم ازار قميصه الابيض، وضعته في عربته، وذهبنا لمائدة الإفطار التي أعدتها أخته. كنت اطلق عليها اسم نجمة، لان اسنانها تلمع كالنجم عندما تضحك! واطلق على زوجي (امير) تمسكا بمن كان..
(١٠)
استمرينا على عادتنا انا ونجمة او الأخت نذهب صباحا ونعود ظهرا من الحقل، تضاعف رزقنا وباركه الله، لعله من كثرة الصلاة والدعاء الصامت، فعلا ما خرج من القلب يلقى تقبلا واستجابة، لانه يخرج صادقا، ففي كثير من الكلام مظهر فقط. كم يحتاج الناس قطع ألسنتهم كيما يستجاب دعاؤهم!
مرت سنة تقريبا ونحن على هذه الحال كثرت مواشينا، ودجاجاتنا وأبلنا، تضاعف الحمل على نجمة التي صارت تذهب وحدها؛ لأنني لا استطيع الحركة، فموعد ولادتي قد اقترب، حاولت كعادتي في كل فرصة ان اعرف اسم البنت وزوجي لكنني لم أفلح لا من نجمة ولا من أمير!
هل اسمهما صعب لهذه الدرجة، هل توجد أسماء لايمكن توصيفها بالاشارة! نعم توجد، والا لكنت قد فهمت اسماءهم وعرفتها! لايهم، المهم هو سلامتهما ولاشي غيره.
في إحدى ليالي الشتاء الباردة شعرت أن المخاض أتاني، جلس عند راسي زوجي يده على جبيني واليد الأخرى تمتد الى السماء، بينما تضع نجمة رأسها عند راسي وتمسك بيدي. هذا كل ما يستطيعون فعله، فماذا يفعل شخصان لامراة تريد وضع طفل وسط مكان مقطوع!
صبرت على تحمل الأذى للصباح، ما ان صاح الديك حتى طرق الباب طرقا شديدا، واذا بسيد يحمل معه كومة من القماش ومعه امراة عرّفنا بها، واذا هي القابلة زوجته! تعجبت، وقلت له من اين تعرف انني سأضع طفلا؟
قال : اتاني رجل فتي وقال لي ستضع عائشة طفلا عليك بالإسراع نحوها!
تناسيت ألم الولادة، وفاضت عيناي بالدموع..عرفت انه امير الذي لايتخلى عني
بدأت القابلة بمراسم الولادة، احضرت لها نجمة ماء دافئا، خرج الشيخ سيد وزوجي خارج الغرفة.
لم اتأخر في وضع الطفل، ولدت طفلا أبيضا كوجه أمي، قالت لي زوجة الشيخ، مبارك لك، إنه ولد كالقمر.. اسميناه فيما بعد(محمد) تيمنا برسولنا الكريم (صلى الله عليه واله وصحبه وسلم)
سمع زوجي صوت الطفل يصرخ عرف انه ولد، للمرة الأولى يصدر فيها أصوات كطفل يريد أن يلفظ أحرفه الأولى، يصاحب هذه الاصوات دموع الفرح، والامتنان لله تعالى. نظفت زوجة الشيخ ادواتها وخرجت مع الشيخ تتبعهما تهان حارة..
كان محمد بالنسبة لنجمة، كفضائي ينزل في قرية ، ينظر اليه الناس مندهشين.
عاد زوجي يصلي.. بينما بقيت نجمة تنظر في ملامح محمد.
١١
تعبت نجمة من رعاية الحيوانات وسقي الزرع، كان امير ينظر لها كلما خرجت ويضرب على فخذه لانه لم يستطع النهوض، في ذات مرة حاول النهوض وسقط من عربته.
في احد الايام كان الجو ربيعيا خرجت نجمة -وكانت شاحبة الوجه- الى الحقل، قلت لها مابك شاحبة،اقنعتني انها لم تنم طيلة الليل!
ذهبت لمحمد وقبلته حتى فزّ باكيا، نظرت لأخيها الذي لم يصحُ اليوم لانه نام قبل قليل وانهى صلاته، او بالاحرى غلب عليه النعاس.
احتضنتني كانها تودعني ولن تعود مرة أخرى!
قلت لها: مابك، ما هذه الأفعال؟!
خرجت ودمعة تلمع في عينيها..
عند حلول الظهر حان موعد مجيئها من الحقل، لم تعد، مرت اكثر من ساعة ولم تعد، مر العصر كذلك.. حملت محمدا ووضعته بحضن زوجي وأخرجته من دارنا ودفعته بقوة في الطريق المتعكر، وصلنا لمكان نجمة، فوجدناها متكئة على باب الخربة، قلت: ياحبيبتي اصابها التعب ونامت، ذهبت لها وناديت عليها وحركتها لم تجبني! تلمست جبينها باردا، مسكت نبضها متوقفا! يبدو أنها فارقت الحياة من ساعات! فقدماها متورمتان وجسمها كالخشبة!
نظر الي زوجي نظرة المتسائل المستغرب، قلت له عظم الله أجرك بفلذة كبدك، بآخر من تبقى لك من شجرتك الأصيلة!
صرخ صرخة أفزعت الدجاجات وأخرجت العصافير التي تجاهلت الفزاعة ودخلت الزرع غفلة!
الصدمة التي سمعها جعلته يقوم من كرسيه ونسي ان بحضنه ابنه! وقع الطفل منه، وبكي على بكاء ابيه وبكيت معهما. احضتن زوجي نجمة وراح يشمها وحتضمها وينظر لها ويرجع رأسها الى حجره، صدق أيليا أبو ماضي حين قال:
"كُلّ ما في الأرضِ من فلسفة
لا يُعزّي فاقِداً عمّن فَقَد"
دفن الشيخ سيد نجمةً في مقبرة قريبة على منزلنا بجانب أبيها وأمها يرحمهم الله. ازداد امير عزلة، حتى هجرني لمدة ستة أشهر، يخرج الى الحقل صباحا ويدخل غرفته ظهرا بعد عودته ولايخرج منها الا في صبيحة يومنا التالي!
دخلت عليه ذات صلاة، عندما رفع رأسه من موضع السجود وجدني أمامه، أمسكته من كتفيه بحرقة وقلت له: كنت دائما تشير الى نجمة وتشبهني بالسفينة، السفينة للتي حملته عند ما اصبح مشلولا، حصدت، زرعت، اطعمته، وجنت له المال، قلي الان بربك ما فائدة السفينة من دون ماء! انا سفينتك التي احببتها بعمق، فلماذا تقطع روافدك عني، اغرقني بمياهك كيما اسير بحرية، فقد خنقتني اليابسة. ابتسم ونحاني عن مكاني، اتم صلاته والتفت الي قبلني واحتضنني. بعد هذه القبلة عاد الى طبيعته، تعايش مع واقعه، كم يحتاج الناس للقُبل، هي شِيفرة للولوج إلى عالم الراحة والعيش بحرية وتناسي مافات أصبح محمد يحبو على ركبتيه نحو أبيه كلما دخل من الحقل..
عند كل ذهاب الى السوق اما ان يصطحبني زوجي معه او يأتي لي بكتب لمؤلفين عمالقة (ميشيل فوكو، فوكوياما، ديستوفيسكي، جورج لايكوف، طه حسين، نجيب محفوظ...) أصبحت لدي مكتبة من تلك المكتبات التي كنت أحلم بتواجد هاته الكتب على رفوفها..
لم ينقصني شيئ سوى أن أعرف أخبار أمي وأجعلها تعرف انني على قيد الحب.
حاول حبيبي مساعدتي.. خططنا لشهور طوال كيف ندخل الدار بسلام آمنين
اخيرا بعد عودته من السوق لم يأت هذه المرة وفي يده كتب، بل جاء يحمل برقعا، عرفت فكرته، نعم ، أن تحب شخصا تعرف ماذا سيقول قبل أن يكفر.
لبست البرقع وذهبنا لمنزل أهلي القديم طرقنا الباب فسمعت صوت أبي ينادي على أمي (افتحي الباب .... افتحي الباب كلت يد الناس) سُميّة أين ذهبتِ افتحي الباب..
فتحت لنا أمي الباب رأيتها بدرا يخرج وسط الظهيرة ، خالفت قوانين الفيزياء النظرية والتطبيقية، فأمي البدر الاوحد الذي مد يده على الشمس فأسكت نورها!
رحّبت بنا وأدخلتنا غرفة الاستقبال..
ابتسم امير زوجي فرحا لما وهبني الله، اخيرا تحقق مناي واستجاب الله دعائي برؤية أمي
دخلتْ علينا بصحن الفواكه وكؤوس العصير وفي كل خطوة ترحب ألف ترحيب بنا، اعتذرت من عدم مجيء صاحب البيت (تعني أبي) لأنه أصيب بالشلل منذ سنة. اي تقريبا في الوقت الذي تعافى فيه زوجي! أما ابنه فقد وجداه ميّتا في غرفته وهو متكئ على منضدته، اي ميتة نجمة نفسها!
هذا تفسير قولي عندما قلت لهما (ضربة الله أقوى)
سألتني أمي
-لماذا لا تزيلي الخمار عنك، فلا رجل في الدار سوى المشلول زوجي وهو في غرفة أخرى فلايراك.وهذا الرجل الذي يبدو انه زوجك؟
-نعم يااماه، سأزيله، فقط خذي ابني بيدك حتى ارفع الخمار.
-آه، مااجمل هذه الكلمة التي كنت أسمعها من ابنتي عائشة رحمها الله! كم تمنيت أن استمر بسماعها!
- ستسمعيها ياأمي، فأنا عائشة بشحمها ولحمها!
كشفت لها الخمار، نظرت الي وعيناها تفتحتا كالزهرة في صباح الربيع. احضتنتي بحرقة شديدة، ابعدتني عن صدرها ، ونظرت بملامحي كفتاة تقلب فستان زفافها قبل شرائه، عادوت ضمي الى قلبها وصدرها، هل بعثك الله من جديد! شكرا لله الذي حقق رجائي!
اشممت عطرها الحنون نزلت دموعي دونما شعور لكن دون صوت خشية أن يسمعنا أبي!
حكيت لها قصتي حمدت الله كثيرا وصلت على نبينا. وذكرت لي الحلم الذي جاء به امير لها، الحلم نفسه ( مقطوع اللسان والنسب) الذي رأيته. فقلت وانا أشير لامير، هذا هو مقطوع اللسان ، واكتفيت بهذه العبارة كيما لا أجرح أمير أكثر وأذكر قطع النسب، فالأمور المعنوية تؤذي أكثر من الأمور المادية ، وذلك اشتق الكلام من مادة (كَلَم) وتعني الجرح، فكثير من الكلام مايكون جارحا لمتلقيه.
أخذت بيدي نحو أبي، تجمدت أطراف امير زوجي
طمأنتنا وقالت لعله يكفّر عن خطايهاه، فقد ندم كثيرا على مافعل، هل تعرفي كيف أصيب بالشلل؟ رأى فتاة تشبهك في السوق وهرول إليها يناديها باسمك عندما وصل لها عرف انها تشبهك فقط ليس أنت طبعا! قالت له
- لماذا تلحقني؟ ألا تستحي على شيبتك!
- لأنك تشبهين ابنتي.
-وأين ابنتك؟
- دفنتها حيّة!
-ماذا تقول! أنت لاتستحق أن تشم هذا الهواء أصلا، لو كنت مكانك لدفنت نفسي حيا!
سقط بعدها على الأرض والى الان مشلول!
ذهبنا نحوه، رآني، حرك رأسه، وضع يديه على عينيه يحاول استيضاح الصورة
- هل أنت عائشة!
- نعم عائشة التي لم تمت!
صرخ صرخة طويلة، احتضنني وحمد الله واستغفره.
بقينا لوقت الغروب، بدأت الشمس تتساقط خلف أسطح المنازل العالية، هممنا بالخروج، فطلبت أمي ان نبقى فقد حل الليل ولاتوجد مواصلات في هذه الأجواء، فضلا عن امتلاء الطريق بالسراق.
وافقنا على البقاء، ترجل امير الى الحمام ليتوضأ كيما يمارس طقوسه اليومية .بينما انشغلت أمي بملاعبة الطفل، وذهبت انا لاعد الطعام واحادث أبي..
عدنا في صبيحة اليوم التالي الى منزلنا وحياتنا وعملنا، اصبحنا نكرر هذه الزيارة كل اسبوع، واحيانا في الاسبوع مرتين، نأخذ لهما بعض المال والمؤونة.
بعد اشهر بقي امير يأتي لأهلي ويذهب بمفرده، فقد أصبحت اسكن عندهم لأنني في شهري التاسع.
(١٢)
بعد شهر انجبتُ زينبَ هذه التي بين يديكِ. ما ان استعدتُ قواي عدت الى منزلنا في القرية، واصبحت اعاودهما بين الحين والآخر، لا أخفيك أنني أشعر بالضيق لانني وحيدة، المرأة لابد لها من امرأة تبادلها الحديث، الرجل لايكفي وان كان حبيبا، معشوقا، زوجا!
بقيت على هذه الحال الى ان أفرج الله عنّا وجئتِ أنت وزوجك ياهدى، منّ اللهُ بكِ عليّ ونعم بالله الذي لاتنقضي فضائلة ولاتنتهي عطاياه.
وصيّتي لك ياهدى إن حلّ مكروه بي أو بزوجي. فالطفلان أمانه في عنقك الى يوم الدين!
-اووه، ماذا تقولين يا عائشة ماهذه للترهات، يكفيك تحمل الصعاب في حياتك.
-يقدّر اللهُ وما شاءَ يفعل.
-أحسنتِ، ونعم بالله، فكل شيء من الله يمكن للبشر تحمله وتجازوه، اما اذا كان من البشر للبشر، فيكون التحمل صعبا؛ لأن الناس لايرحمون بعضهم بعضا!، سؤال أخير فقد أرهقتك منذ الصباح وانت تحدثيني عن حياتك، سؤالي ياعائشة: لو كانت حياتك قصة قرأتيها فماذا ستسمينها؟
- اممم سؤال لربما صعب، حسنا، سأسميها (ضربة اللهِ أقوى)، الآن أستودعك الله، ياهدى، فلتبقى زينب عندك، وسأذهب لأعد الطعام لامير، فقد أوشك على المجيء، مع السلامة.
علي محمد علي
٣١/١٠/٢٠١٧.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق