السبت، 28 أبريل 2018

سفسطة



دفع محمّد عصا القارب بأقصى قوّة لديه، بحركة درامية كان يمد يديه الى الأمام كما لو أنّه يحاول التخلص منها ليسمح بذلك ليديه
أن ترجع للرواء بأقصى مايمكنها حتى يسير القارب بسرعة كبيرة، ولما يزل يحاول جاهدا دفع قاربه نحو المجهول يحشره قدر الامكان في قعر الظلام الذي بدا له أنه يبتعد عنه شيئا فشيئا، كان ينظر لمن خلفه، تبدى له أنهم شرطة نهرية وبرية، يصوبون نحوه اسلحتهم فضلا عن مصابيحهم التي تتبعه وكأنه مغناطيس للضوء، تنبح عليه الكلاب عاليا، كما لو انه عبر القصر المكلفة بحمايته، فكّر في أثناء دفع للقارب وقال:
إن المجرمين مظلومون دائما فحتى الكلاب تكرههم مع أنه لم يسرقها بل سرق أصحابها إن صح ذلك، فليت الناس تتعلم من الكلاب عندما يتعرض صديقهم او جارهم للضرر ليتهم يتعلمون من الكلب، ولا أعني الآن أنهم ينبحون محاولين تقليده ليثبوا لك أنهم أوفياء، على العكس ماأعنيه تماماأنهم يحاولون او يتظاهرون بأنهم ينبحون، اسقاط فرض لا أكثر، وذلك أقوى الايمان!.
بدا لمحمد بهاجسه أن القارب الذي خلفه يقترب شيئا فشيئا ولاسيما أن الضوء ازداد حمرة ونباح الكلاب أخذت تعلو أصواتها، فما كان له الا ان يصرّ على دفع القصبة بقوة حتى يسير القارب بسرعة اكبر لايعلم ولا يتذكر من وضعه في هذا القارب الذي حُشر فيه حشرا بالكاد يقف على قديمه، لان أرضية القارب كانت ممتلئة بالجثث، وتسيل من الجثث خيوط دم ولعاب كثيف، لم يتذكر ما اذا كانت بعض الجثث تئنّ! فقدكان همه أن يصل إلى اللاشيء نعم، لأنه لايعرف أين سيذهب، فقط يحاول التخلص ممن يتبعونه وهو لايعلم ماذا فعل لهم على وجه التحديد حتى يمكن ان يلاقي هذا الكم الهائل من التهجم.
بدأ الماء يسيل على جانب كتفيه وظهره فضلا عن جبينه الذي أصبح كمستنقع تسكنه المياه، لايدري هل هذا الماء هو العرق الذي نزل عليه لما بذهله من جهد وخوف ام ان هذا نتيجة لتزايد كميات المطر الساقطة.. لايهم فكان همة منصبا على ان يتوغّل في العمق الذي لايعرفه، ولربما كان أكثر خطرا عليه من هؤلاء الرجال الذين يلاحقونه على أمر لايعرفه!
وصل الى مرحلة الإعياء، فلا طاقة له بعد..
قرر ان يستسلم للأمر الواقعي، فقد يبلغونه لامحالة، كفّ عن التجديف الذي أرهقه، رفع يديه إلى الأعلى كناية عن الاستسلام، خفّت حركة القارب بينما كان القارب الذي يلحقه أو القاربان يسيران بالسرعة نفسها، الأمر الذي جعله يفكر على الرغم من اعيائه، فكر كيف بقى القارب يسير بالسرعة نفسها من غير تباطؤ! كيف لايصيبهم الاعياء مثله!
ما ان اقترب القاربان حتى امال محمد  راسه نحو الأرض قليلا وكور كتفيه دلالة على أنه ضعيف جدا، وهو كذلك بالحقيقةوربما أضعف!
وصل القاربان حتى أصبحا بموازاة قارب محمد صاح أحدهم بوجهه اضافة لصوت الكلب الذي لايهدأ ولا يصيبه الإعياء، صاح برهبة أحسها محمد تسري بجسده بعد أن تسللت لجسده هو الآخر.
لاتقف ياحمار، سيلحق بنا لامحالة! حاول التجديف وإلا... لم يسمع البقية بسبب ازدياد نباح الكلاب وابتعاد القارب!
اصاب محمد احساس أتعس من الاحساس الذي كان يتوقعه ويسيطر عليه، وهو الاستسلام ولما سيفعلونه به، كان مذهولا، ولاسيما ان صيحة المجدّف الذي في القارب الذي مر منه بثت به الرعب أكثر، فأصبح الخوف أكثر مما في السابق!
لأنك اذا رأيت عدوك هذا يعني أنك على استعداد بان تتجنب الضربات القوية، أو على الأقل تتهيأ لها وبذلك تكون الضربات أقل وطأة مما لو كنت لاتعرفه أصلا!
عاود التجديف بقوة أكبر من السابق، تمنى لو أن له رأس البوم حتى يستطيع ادارة رأسه 180 درجة!
لكن هيهات،احيانا تجبرك الظروف ويوقعك الزمان بموقع تتمنى أن تكون فيه أتفه الحيوانات، لان هذه الحيوانات التافهة في نظرك هي في هذا الموقف أنفع بكثير من البشر!
بدأ يسمع أصواتا غريبة تتقاذف من خلفه، تسلل الى جسده الرعب فكر أن الجثث التي تقبع في قاربه من العوامل التي تساعد الى اعياءه والتخفيف من سرعة القارب..
جدّف سريعا ترك المجداف ورمى أول جثة في النهر، او بالأحرى ذلك الذي توقعه نهرا!
لكنه في الحقيقة لم يكن نهرا أصلا!
وضع يده على عينه حركها بقوة كمن يجلس من فراشه  ويحاول بهذه الحركة تحفيز خلايا العين لىرؤية الأشياء بوضوح لكن لم يتمكن من شيء أصلا، فباءت محاولة رجّ عينيه بالفشل.
سمع شيئا ما يرن، لابد أنه هاتف ولاشك، بحث عنه لكن القارب بدأ كانه قطار على وشك الوقوف، عاود التجديف بقوة ورجع يبحث عن الهاتف، وجد قطعة زجاجية بيضاء تتوهج، مكتوب: ( وحدة السيطرة تتصل) لم يكن هناك خيار اسمه رد او رفض، الأمر الذي استغرق منه دقيقة كاملة لمعرفة كيفية الاجابة، دقيقة في الحال الذي هو فيه طويلة للغاية، فكاد القارب ان يقف،  بعد ان يئس فتح الاتصال، قال بعبث واستهزاء
-ألووووو..
ردت عليه القطعة الزجاجية بصوت كانه يخاطبه فعلا..
- نعم، حاول التجديف بسرعة قصوى، فلم يفصلك عنه سوى بضعة امتار ، تمسك جيدا وسنصل إليك بوقت وجيز..كن قويا فأنت آخر ما تبقى لدينا على الأرض, قالتها الزجاجة وانفطأت.
رماها في القارب وبدأ يجدف بقوة، كما لو ان الزجاجة او الخطاب الذي القته دفع فيه قوة كامنة.
ازدات الأصوات من خلفه، شعر وكأنها تلتهمه الأمر الذي حداه بأن يتحسس ظهره وجسمه.
شعر بالعطش الشديد، لكن هيهات، مد يده على ان يشرب الماء لكن لايوجدماء أصلا!
زادت الحيرة، فكيف له أن يسير بقارب ولايمكن أن يكون تحته ماء، ظلام فقط، كل شيء أظلم.
استعان بقوته وبنور وجه أمه المشرق في خياله، امه الذي ندم على أن يصرخ في وجهها صباحا عندما تحاول إيقاظه من النوم لأنه تأخرنصف ساعة عن عمله كعادته!
رن الهاتف مرة أخرى، صاح بصوت يرتجف:
-ألوووو
-الوضع الآن أخطر مما هو عليه، عليك التشبث بالحياة إذا ما أردت أن تنجو، عليك أن تقاوم، حتى آخر لحظة في عمرك!
بدى له كلام الرجل الذي على الزجاجة متناقضا،فكيف لشخص أن يصمد لآخر لحظة في حياته حتى يستطيع أن يعيش!
هل هناك وقت آخر غير آخر لحظة يعيشها!
- ربما، فهذا الذي ظننته ماء لم يكن كذلك! قال ذلك وقد نسي عطشه، وتاه في متاهة الظلام العائم فيه، ظلت تنهال على رأسه ضربات التفكير
كيف وصل هنا، ولماذا هنا تحديدا، ومن يتصل به، من يلحق به، ماذا يريدون منه، اين وجهته!
كل تلك الأسئلة عصفت به دفعة واحدة، لم يستطع معرفة جواب مقنع، سوى أنه يعرف - الآن- أنه ضائع وسط الظلام.
عجيبة هذه الحياة، انا الآن ابذل كل ما بوسعي لأجل أن أهرب، أهرب فقط ليس لانجو، اهرب من الذي لا اعرفه!
بينما كنت قبل الآن -لا اذكر التاريخ تحديدا- أحاول أن أصل الى الطابق العاشر من العمارة التي أسكنها حتى أرمي نفسي منها، لان سارة خانتني، سارة التي احببتها أكثر من روحي، جعلتها كل شي بالنسبة إلي، تأكدت لي مقولة أمي فيما بعد:
لاتعجل كل اعتماداتك وأهدافك منصبة على شخصية واحدة، لانهاستخذلك، ولعله ليس من باب الخيانة، لان هذا امر طبيعي ألا يتحمل الانسان تأدية كل الأشياء على أتم وجه.
حتى الانبياء لم يكلفوا بتأدية كل شيء، كانوا فقط يدعون إلى الدين وتوحيد الله، وعلى الرغم من ذلك لم ينجحوا في أقناع الكثير..
رأى محمد أمامه خياله وهذا يعني أن الضوءالذي خلفه اقترب كثيرا حاول التجديف بسرعة اكبرمن نفاد طاقته، لكن لاجدوى سوى أن الضوء يقترب اكثر واكثر وخياله بدأ يصغر دلالة على أن الضوء اقترب منه كثيرا...
شعر بأن شيئا ما يمسكه من كتفه بصورة قوية جدا وبدأ يهزه كما يهز الأطفال شجرة التوت ليحصلوا على ثمارها..
اصابه الخوف الشديد وبدأ كأنه أغمي عليه.
ازدادت الهزات والصيحات، ابتل وجهه بالماء المنعش فتح عينه على وجه أمه الذي استظل به من العتمة!
نادته بغضب، كعادتك ايها الكسول، تأخرت نصف ساعة عن العمل....
نهض من فراشه كما لو أنه ينهض للمرة الأولى، رشق بعض الماء على وجهه دون ان ينظر للمرآة، وضع حقيبته على كتفه وانسل وسط الشارع..
علي محمد علي
27/5/2018.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق